عوامل عدة تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي. طبعاً الحروب والدمار، لكن هنالك أمور أخرى لا تقل أهمية ومنها الأوبئة والأمراض التي تغيب وتعود لتنتشر، وهي تؤثر جداً على صحة الإنسان وحياته وإنتاجيته. لم تكن منظمة الصحة العالمية جاهزة لمواجهة الكورونا مثلاً، إذ لم تكن تملك الموارد البشرية والمالية الكافية للوقوف في وجهها. شجعت المنظمة وغيرها من المؤسسات المواطنين على العمل عن بعد لمنع انتقال الكورونا، ما أثر سلباً على التعليم والصحة والغذاء كما على علاقات الناس فيما بينها. دور المنظمات الدولية كان ضعيفاً وأتى متأخراً، وبالتالي الخسائر كانت كبيرة.
الاستقرار الاقتصادي مهدد دولياً بسبب الأمن السيبراني الذي ما زال غير موجود بالمستوى الضروري. حصلت خروقات في مختلف الميادين من القطاع المالي إلى الصحي والصناعي وغيرها. لم تتطور تكنولوجيا الحماية بعد بما فيه الكفاية علماً أن العقبات ليست مالية بل تقنية. لذا يجب إنشاء منظمة أممية متخصصة تعنى مباشرة بالتكنولوجيا إذ إن الموضوع لم يعد قطاعياً أو وطنياً بل أصبح دولياً جامعاً. ما الذي يقف في وجه إنشاء «منظمة التكنولوجيا الدولية» وإعطائها الموارد المالية والبشرية للقيام بأعمالها على أكمل وجه؟ الفساد وسوء الرؤيا.
الهجرة غير الشرعية لا تقل خطورة، وهي تتفاقم بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية في العديد من الدول النامية والناشئة. من أهم مصادر تلك الهجرة منطقتنا التي تصدّر مواطنين إلى أوروبا، ما جعل بعض دولها ينزف بسبب عدم القدرة على الاستيعاب. هنالك مصادر أخرى مهمة للهجرة غير الشرعية مثلاً بين أمريكا الجنوبية والولايات المتحدة، كما بين فرنسا وبريطانيا بسبب مواطنين يأتون إلى فرنسا ويرغبون في الهجرة البحرية إلى بريطانيا. هنالك مصادر أخرى في آسيا وإفريقيا وغيرها تقلق العالم وتعجز الدول عن مواجهتها. ماذا تفعل المؤسسات الدولية للمساعدة؟ القليل بسبب الموارد وغياب أفكار الحلول. يجب ربما إنشاء مؤسسة متخصصة جديدة تعنى بشؤون المهاجرين لتقوية الاستقرار العالمي.
أما التغير المناخي فحاصل والمواجهة ضعيفة. المدهش أن هنالك من لا يزال يتجاهل الموضوع ويعتبره غير موجود. مشاهد محزنة السنة الماضية نأمل ألا تتكرر هذه السنة من حرائق وطوفان وزلازل ضربت كل ما أسس خلال عقود أو حتى قرون سابقة. هنالك مؤتمرات متنوعة عقدت في دول عدة لتخفيف الوطأة السلبية للتغير المناخي، لكن النتائج لم تصبح كافية لغياب المنسق الدولي الفاعل وعدم وجود رقابة صارمة على طرق التطبيق. العالم ما زال مقصراً تجاه التغير المناخي ولا بد من التعاون الدولي للتقدم.
المطلوب إعادة درس مهام المؤسسات الدولية وإنشاء منظمات جديدة وإلغاء أخرى أصبحت غير مهمة. يجب أن تؤخذ القرارات من داخل منظمة الأمم المتحدة والعمل بجدية لعدم حصول فيتو على المشاريع التغييرية حتى لو تصب في صالح الدول الكبرى الملوثة. ما سبق يرتكز أيضاً على دور جديد إيجابي للمواطن يؤمل به دولياً كي تتم المهام بسرعة وإنتاجية أعلى.
* كاتب لبناني
سعر أيّ سلعة يجب أن يعكس الحاجة إليها، وما تمثله من قيمة اقتصادية حقيقية. تقلب، مؤخراً، سعر أونصة الذهب كما لم يحصل سابقاً، فهل هذا يشير إلى تغير الحاجة إليه دولياً؟ في المبدأ، ما يحرك سعر الأونصة هو الطلب، إذ إن العرض محدود. لماذا يتحرك الطلب؟ فعلاً الأوضاع السياسية والأمنية هي المسبب الرئيسي. هنالك أحداث كبرى مرت، وتمرّ بها المنطقة والعالم، وتحرك تصرفات المستثمرين، المحليين والإقليميين، كما الدوليين. نضيف إليها تقلبات الأهداف الأمريكية المختلفة التي تحرك الأوضاع الاستثمارية، وتصرفات عملاء الأسواق. العالم قلق اليوم، وقطاع الأعمال الدولي حائر، وفرص الاستثمارات المناسبة غير واضحة. النتيجة هي تقلب سعر الذهب من دون القدرة على تفسير كل تحرك حتى لو كان كبيراً.
يمرّ كل اقتصاد بمراحل عادية متتالية من الازدهار والتباطؤ، أو ما يعرف بالدورة الاقتصادية. ويمكن لكل مرحلة أن تقصر أو تطول تبعاً للأوضاع، الداخلية والخارجية، للاقتصاد المعني. فالقلق الذي يحدثه انتقال الاقتصاد من مراحل إلى أخرى يدفع بالعملاء الاقتصاديين إلى اللجوء إلى ما يمكن أن يحميهم من مساوئ الأزمات الاقتصادية. وقد شغل الذهب منذ قرون هذا الموقع، أي الملجأ الذي يتوجه إليه كل فرقاء الإنتاج. أدخل الناس المعدن الأصفر بأشكاله المختلفة إلى منازلهم كنوع من الادخار لمواجهة الأيام السوداء. واشترت الدول الذهب، وجعلت منه احتياطاً نقدياً يدعم سعر صرف العملات الوطنية.
النظام النقدي الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين، ربط سعر صرف العملات بكمية ثابتة من الذهب، وبالتالي أعطى دوراً نقدياً للمعدن الأصفر. أما النظام النقدي الذي وجده «مؤتمر بريتون وودز» بعد الحرب العالمية الثانية، فربط الدولار الأمريكي بالذهب بسعر صرف ثابت، وجعل العملات الدولية تتقلب نسبة للعملة الأمريكية، ما أسهم في تحقيق استقرار الأسعار لسنوات طويلة، وشجع الجميع على اقتناء الذهب. لم يسقط بريتون وودز الا بسبب ضعف الدولار في ذلك الوقت، وتراكض الجميع لإبداله بالذهب عبر مكاتب المصرف المركزي الأمريكي. لم يستطع الذهب تاريخياً، المحافظة على قيمته الاسمية، فكيف يحافظ على سعره الحقيقي، بخاصة أنه لا يعطي دخلاً لأصحابه. والدراسات حول الذهب التي نشرها المصرف المركزي الأمريكي طرحت مجدداً جدوى الاستثمار فيه، وشجعت المصارف المركزية على بيع قسم من احتياطها الذهبي.
ما العمل؟ الدول الصناعية التي تنعم بمؤسسات قوية وإدارات فاعلة يمكنها الإشراف على عملية تسييل الذهب والاستفادة منه. أما الدول النامية، فمعظمها لا ينعم بإدارات سليمة، وفاعلة، وشفافة، لذا، عليها أن تكون حذرة قبل تسييل ذهبها مما يعرضه للإنفاق والهدر. بقاء الذهب ذهباً في الدول النامية، مهما تغيرت أسعار أونصته، يبقى السياسة المحافظة الفضلى نسبة لأوضاعها الاقتصادية والإدارية. أما في الاستثمار الفردي، فمن الأفضل تنويع الأصول بين النقد والمعادن والأدوات المالية والعقارات، وغيرها، حماية للنفس، وليس بالضرورة لتحقيق أرباح كبيرة يمكن أن لا تحصل. الثقة بالذهب باقية.
*كاتب لبناني
د. لويس حبيقة
لم يكن ممكناً إدخال نقد بحجم اليورو إلى الأسواق الأوروبية والعالمية من دون سنوات طويلة من التحضير. هل وجد اليورو فقط لمنافسة الدولار؟ أم هنالك مصالح أوروبية اقتصادية ومالية وربما سياسية لإدخال نقد مشترك وإنجاحه؟
أحد مؤسسي أوروبا كان الرئيس الفرنسي شارل ديغول الذي كان يعتقد بضرورة إيجاد اليورو لمنافسة الدولار. كان يخشى النفوذ الأمريكي ويريد تقوية الداخل الأوروبي للوقوف السياسي والاقتصادي في وجه الولايات المتحدة. لذا بنى ديغول العلاقات الفرنسية الألمانية لحاجته إلى ألمانيا في مواجهة أمريكا. ديغول كان يعتقد أن الاقتصاد الألماني القوي وتركيزه على الصادرات للنمو سيضع دائماً الفرنك الفرنسي في موقع صعب وضعيف. لذا كان من الضروري إيجاد نقد جديد يحل محل المارك والفرنك في مواجهة الدولار. نعيش اليوم واقعياً في عالم معقد مع نقدين رئيسيين أي الدولار واليورو.
يعتبر البناء الأوروبي جدي جداً وناجح بالرغم من كل العوائق والتحديات. نعجز أحياناً عن فهم النقمة الشعبية الداخلية العلنية تجاه الوحدة والرغبة في الرجوع إلى الوراء. كيف نفسر رغبة البعض في إعادة بناء الحدود التي ألغتها اتفاقية «شينغن»؟ كيف نفسر رغبتهم في إلغاء النقد المشترك والعودة إلى العملات الوطنية كوجه من وجوه الاستقلال؟ كيف يمكن تفسير قرار البريطانيين بالخروج من الوحدة الأوروبية، وهم على ما يظهر نادمون على ذلك؟ وجدت الوحدة الأوروبية واقعياً لتبنى على النموذج الأمريكي الشمالي. قال الرئيس ترامب إن الوحدة الأوروبية أنشئت لأذية الولايات المتحدة، وقد نجح الأوروبيون إلى حد بعيد، في رأيه، ما يفسر طبيعة تعامله مع أوروبا بشأن أوكرانيا والتعريفات الجمركية.
الذي شكل اللاصق بين الأمريكيين هي الديمقراطية عبر انتخاب مجلسي شيوخ ونواب يلعبان دوراً كبيراً في النظام الأمريكي ومسؤولان مباشرة تجاه المقترع. ترتكز الدولة الأمريكية على الرئاسة كما على المجلسين التشريعيين. تكمن المشكلة حالياً في أن الرئاسة كما السلطتين التشريعيتين تقعان في يد جمهور الرئيس ترامب بالإضافة إلى التعيينات القضائية الموالية. الوضع في أوروبا مختلف، إذ بالرغم من وجود مجلس نواب أوروبي، فهو أقل أهمية وتأثيراً من المثيل الأمريكي.
تدير أوروبا مجموعة من الموظفين وربما التقنيين ما يجعل المحاسبة غير موجودة. لم تتطور المؤسسات الأوروبية لتتأقلم مع الحاجات والمستجدات. تبقى القوة السياسية الأساسية في أوروبا مع الدول المنفردة وليس مع المركز كما هو الحال في واشنطن. إن بناء أوروبا تجربة كبرى جمعت بين جنسيات وأعراق وهويات مختلفة. جمعت سكاناً من أصول وتاريخ يتكلمون لغات وطنية مختلفة. بنيت أوروبا على مبدأ احترام الإنسان وحريته، أي تأمين أبسط الحقوق الاجتماعية للمواطن ما يشكل الحافز الكبير للنمو والنهوض وحتى التنمية. لم تنجح الوحدة دائماً في تحقيق الأهداف، إلا أنها أحرزت تقدماً كبيراً. يشكل خلق اليورو عاملاً أساسياً لتقوية الانصهار الأوروبي مع وجود مصرف مركزي في فرانكفورت بإدارة فرنسية مع «كريستين لاغارد» التي يظهر أنها لن تبقى طويلاً في مركزها.
* كاتب لبناني
يتباطأ حالياً النمو في أكثرية الدول. النمو مهم جداً لتلبية الحاجات السكانية المعيشية ورفع مستوى الحياة. لا يمكن محاربة الفقر إلا عبر النمو الذي ينشر الثروة في المجتمعات. المهم أن يتوزع النمو على المناطق والطبقات الشعبية وأن لا ينحصر عند الأغنياء. عودة النمو تعني استقرار المجتمعات واستتباب السلم الأهلي وتحسن العلاقات بين الناس وتطوير البنية التحتية كما الفوقية.
لا يستمر النمو الاقتصادي القوي لسنوات طويلة متتالية إلا في حالات استثنائية. لكل شيء نهاية ولا بد للدورة الاقتصادية من أن تحصل. الأسباب الأساسية للنمو الاقتصادي الغربي كانت لعقود زيادة عدد السكان وارتفاع الإنتاجية عبر البحوث والتطوير، والاثنان متعثران اليوم. من ناحية السكان، النمو الديموغرافي ضعيف وسلبي في بعض الدول، بالإضافة إلى رفض هذه الدول استقبال المهاجرين لأسباب غير اقتصادية. يبقى الإنسان الركيزة الأساسية للنمو حتى لو لم يعد دوره كبيراً كالماضي. جمع عوامل الإنتاج في مختبر واحد هو في غاية الأهمية، إذ لا بد للإنسان من أن يشترك مع رأس المال والمواد الأولية والطاقة والذكاء الاصطناعي لإنتاج أهم ما تحتاج إليه المجتمعات.
تدنت الحصة الاقتصادية للقطاعات التي كانت رائدة تاريخياً في تقدم الإنتاجية. نقصد هنا تلك التي سببت الثورات الصناعية خاصة الثانية، بينها الكهرباء والنقل والاتصالات. الثورة الثالثة هي الرقمية والأنترنت، لا شك في أنها مهمة إلا أن تأثيرها في رفع الإنتاجية لم يكن بحجم الثورة الثانية. أما ارتفاع حصة الخدمات في الاقتصادات فيما بعد، فأضعف نمو الإنتاجية لأن الخدمات طبيعياً لا تستوعب، كما الصناعة، التقدم التكنولوجي الكلاسيكي.
يحصل التباطؤ الاقتصادي الحالي بالتزامن مع زيادة فجوتي الدخل والثروة بين طبقات المجتمع. يؤثر هذا التزاوج في نفسية العمال وحتى في أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة. التصحيح واجب وصعب عبر الضرائب والمنح والخدمات. تشير الإحصائيات إلى أن حصة الأرباح من الإنتاج تزداد على حساب حصة العمل، وهذا يؤثر في الاستقرار في المجتمع وفي رغبة العمال في العمل أكثر لمؤسساتهم.
تكلم الاقتصادي الأمريكي «روبرت غوردون» في كتابه «النمو الأمريكي» عن «الركود البنيوي» إذ تصعب اليوم في رأيه العودة إلى النمو القوي بسبب تغير أسس وركائز المجتمعات والاقتصادات. يحتاج العالم إلى أفكار جديدة وتقنيات فاعلة، بدأ من الذكاء الاصطناعي كي يتغير نمط الحياة ويسمح للإنسان برفع إنتاجيته. أما دور الإنسان الآلي في الإنتاج فيتطور بشكل مدهش في الطب والصناعة وحتى في مختلف الزراعات والخدمات.
تكمن خطورة تباطؤ النمو في تأثيره القوي مع الوقت في البحبوحة الاقتصادية وبالتالي في استمرار المجتمعات بالحصول على الرفاهية المطلوبة. إن رفع الإنتاجية عبر التعليم والاستثمار في قطاعات واعدة ضروري، كما لا بد من عودة الروح إلى الصناعة. فالإنتاجية الصناعية لم تخف، إلا أن حصة الصناعة في الاقتصادات ضعفت وبالتالي تأثير إنتاجيتها في الاقتصاد ككل أصبح أضعف. زيادة نسب النمو هي من أولويات أي حكومة جدية.
ما هي أهداف مجتمعاتنا وهل هي صعبة التحقيق وكيف نصل إليها؟ هنالك عوامل يمكن أن توصلنا إلى التنمية المستدامة، منها العمل الجاد مع الحفاظ على نوعية الحياة ونقلها إلى أجيال المستقبل. هنالك التقدم التكنولوجي الذي يساعد المجتمعات على الحفاظ على مواردها، فيسمح بإنتاج سلع أكثر من نفس الموارد المادية والبشرية. لا يمكن تحقيق النمو الطويل الأمد من دون تكنولوجيا متطورة لا تزيد التلوث.
المطلوب عالمياً وإقليمياً أولاً تحقيق الازدهار عبر نسب نمو مرتفعة متواصلة تحسن الأوضاع المعيشية. قال الرئيس أيزنهاور إن الخطط هي عديمة الفائدة، أما التخطيط فهو كل شيء. فالخطط لا تصح في العالم المعقد ولا يمكن السيطرة على النتائج. أما التخطيط المبني على الوعي والذكاء وحسن التفكير، فهو أكثر من ضروري ولا بد من القيام به. تبقى كل السياسات مبنية على التوقعات التي تدخل في تحديد القرارات. عندما تقرر أي حكومة زيادة أو تخفيض الضرائب، تبني قراراتها على توقعات للنتائج. عندما تضع أي دولة أو مؤسسة عقوبات على أشخاص أو شركات، فهي تتوقع تغييراً في التصرف إذ إن العقوبة بحد ذاتها غير مجدية.
التنوع في المجتمعات مهم شرط أن لا يرفع كثيراً مستوى الانقسامات الجدية في العقيدة والأهداف والرؤية. المجتمعات الذكية هي التي تستفيد من أزماتها لتتجنب كوارث مستقبلية مماثلة. للأسف القليل من المجتمعات تستفيد من تجاربها المرة، لذا نرى أن المشاكل تتكرر وربما تصبح أكثر خطورة. أما الحوكمة فمطلوبة عبر قاعدتي المحاسبة والشفافية.
واقعاً تمر كل المجتمعات بأزمات كبرى إذ إن الأوضاع الصحية قبل الاقتصادية والاجتماعية تدعو لليقظة والتنبه والقلق. ليست هنالك دولة لا تتوجع اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وإن يكن بدرجات مختلفة. في أوروبا، المشكلة الصحية كبيرة وهنالك عجز حقيقي في المواجهة. مجرد الإصغاء للإعلام، يجعلنا نقلق من ناحية الضياع في طرق وتوقيت ونتائج المعالجات الصحية. كما لا اقتصاد من دون صحة، فلا صحة من دون قدرات اقتصادية كافية.
خسر الرئيس ترامب الانتخابات في 2020 بسبب الصحة كما بسبب عدم معالجة فجوة المشاكل المناخية بل إنكار وجودها. الوضع المناخي العالمي خطر وهنالك إهمال تجاه التردي المناخي من قبل ملايين الناس ومئات الحكومات. أسوأ ما يحصل هو الحرائق الخطرة في العديد من الغابات والحدائق والتي تشير إلى ارتفاع مستوى الحرارة عالمياً. لا ننسى الفيضانات والهزات الأرضية وغيرها من الشوائب.
المشاكل الصحية في الدول الناشئة والنامية أكبر وأخطر، والإحصائيات غير جدية. من يستطيع تقييم الأوضاع الصحية في أكثرية الدول العربية، إذ إن الإحصائيات الصحيحة غائبة؟ في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تشير المعلومات إلى تردي الوضع الصحي وإلى غياب القدرات المادية والتقنية المناسبة. تحاول العلوم الاقتصادية إيجاد الحلول للمشاكل. طبعاً العلوم تتطور لمواجهة التغيرات الكبيرة على أرض الواقع. الاعتماد على العلوم الاقتصادية المتطورة يشكل نوعاً من الضمانة أو التأمين لتجنب المخاطر وتخفيف الخسائر.
د. لويس حبيقة *
واقعاً تهدف كل الحكومات إلى تحقيق النمو القوي مهما كانت الكلفة. المهم تحقيق الربح من دون النظر إلى أوضاع الضحايا من فقراء وغيرهم. نتج عن هذا الجشع خسائر كبرى وأمراض حقيقية تكدست لتضع المجتمعات في خطر. ساد التفكير أن الأسواق المالية تنتج النمو الاقتصادي، وبالتالي اخترعت كل الأدوات التي تحقق الربح السريع المرتكز على مخاطر كبرى. قال الاقتصادي مينسكي، إن الأسواق المالية تتعرض دائماً للمضاربات الدورية التي تسبب في آخر المطاف أزمات كبيرة. وقال أيضاً إن النقطة المفصلية هي عندما تخف السيولة في السوق ويبدأ بيع الأصول، وبالتالي تتجه الأسعار نزولاً نحو الكارثة وهذا ما حصل مراراً.
بعد أزمة 2008 العالمية، تغير التفكير الاقتصادي الأكاديمي وأصبح التركيز على دور التكنولوجيا والإبداع والعلوم في خلق النمو وتطويره. الربح عبر الأسواق المالية أسهل وأسرع وأخطر، لكنه مؤقت. الربح عبر العلوم والتكنولوجيا أصعب وشاق ومتواضع، لكنه دائم أو يطول أكثر لتأثيره في مصادر النمو. عندما حصلت الأزمات وغاب النمو وارتفعت البطالة، ماذا فعلت الحكومات؟ زادت الإنفاق العام لمواجهة الخلل في السوق ولتجنب حصول كارثة كما في 1929. ماذا كانت النتيجة؟ ارتفاع كبير في عجز الموازنات وفي الدين العام للتقليل من الخسائر الاقتصادية ومن الغضب الشعبي. بعده ولمعالجة الخلل المالي، قامت الحكومات بتطبيق سياسات تقشفية أغضبت الجمهور وسلبت بعض الحقوق وسببت الفوضى.
ما هي العبر التي يمكن اتخاذها مما حصل وهل تمت المعالجة بشكل يجعلنا متأكدين من أن التكرار مستحيل اعتماداً على كل التقدم في العلوم الاقتصادية؟ لا شك أن العلوم تطورت وتقدمت، إلا أن الاطمئنان الكلي مستحيل. في الاقتصاد هنالك نظريات متعددة يمكن أن تصح في ظروف معينة وتخطئ في ظروف أخرى، منها نظريات «الأسواق الفاعلة» أو النظريات التي تربط الاقتصاد بعلم النفس أو الأعصاب أو غيرها. لا يمكن وصف أي من هذه النظريات بالخاطئة دائماً أو بالصحيحة دائماً.
هنالك دور كبير للإعلام المتخصص عبر الصحف والإذاعات وغيرهما يمكن أن يكون إيجابياً أو العكس. في العديد من الأحيان كان الدور سلبياً أي شجع لأسباب غير بريئة المستثمرين والمواطنين العاديين على التهور. من يضبط هذا الإعلام المتخصص وغير البريء؟ هنالك دور كبير للسلطات الرسمية في تنبيه المواطن إلى المخاطر وفي تطبيق القوانين والعقوبات على المخلين بقواعد السلامة.
وهدف العقوبات ليس فقط محاسبة الماضي وإنما خاصة زيادة سلامة المستقبل. تكمن المشكلة أيضا في أن مؤسسات الرقابة تتأثر أحياناً بالسلطات السياسية، فتخفف من صرامتها لإرضاء السياسيين وهذا سيئ. المطلوب إعطائها الحصانة الكافية لمواجهة السياسيين تماماً كما حصل في أمريكا بين المصرف المركزي وترامب، حيث أراد الرئيس إقالة الحاكم باول، لكن القوانين والاستقلالية القانونية الممنوحة للمصرف المركزي منعته من ذلك. استقلالية المصرف المركزي الأمريكي التي يجب أن يحافظ عليها الحاكم المعين الجديد هي نموذج لما يجب أن تكون عليه القوانين المتخصصة.
* كاتب لبناني