روبرت رايخ *
كما أقول دوماً، «السوق الحرة ليست أكثر من مجموعة من القواعد التي وضعتها الحكومة وفرضتها». والسؤال الحقيقي الذي يختبئ وراء منحنيات العرض والطلب المحايدة المفترضة في كتب الاقتصاد المدرسية، هو ما إذا كان النظام المالي في الأساس، يعمل على تحسين حياة أغلب الناس، أم تنمية ثروات الأغنياء فقط؟ ومن المؤسف أن الإجابة من وجهة نظري هي الأخيرة.
إن السوق تتبع سياسات تفضيلية دوماً، بسبب كل الأموال التي تتدفق إلى عالم السياسة. والأطراف المفضلة هي مصادر الأموال الضخمة من شركات كبرى، ورؤوس أموال.
لقد رأيت تدفق الأموال إلى السياسة، في أواخر السبعينيات، يتحول إلى جدول صغير بحلول الثمانينيات، ونهر ضخم مطلع التسعينيات، ثم فيضان عارم بحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فمحيط شاسع بحلول العقد الثاني، ومنذ 2020 حتى اليوم، أخذ التدفق شكل تسونامي.
وفي قرار مثير للجدل، يسمح للأفراد الأثرياء والشركات برشوة السياسيين بشكل أساسي، وجهت المحكمة العليا أحدث ضربة لقانون مكافحة الفساد الفيدرالي، بإلغائها حكماً يقضي بإدانة عمدة سابق في ولاية إنديانا، بتهمة الرشوة. مشيرة إلى أن «الإكراميات»، أو الهدايا والمدفوعات، التي يتلقاها المسؤول بعد تنفيذ مهامه ليست «رشى» من الناحية الفنية، وبالتالي هي قانونية.
وقالت المحكمة، إن الرشى لا تأخذ معناها الحقيقي إلا عندما تتم قبل الفعل الرسمي المطلوب. وبذلك واصلت جهودها الجارية لإضفاء الشرعية على الفساد في المؤسسات الرسمية، باستخدام المنطق الأكثر ضعفاً لتجريد القوانين الفيدرالية لمكافحة الفساد من أي معنى.
لقد رأيت كيف حوّل استخدام الرشوة لمصلحة الشركات الكبرى والأثرياء، خيبة أمل العمال الأمريكيين في تسعينيات القرن العشرين، إلى إحباط وغضب، بخاصة بعد إنقاذ أكبر البنوك في الأزمة المالية لعام 2008.
وفي ما يلي عينة من الكيفية التي تغيرت بها السوق بسبب تدفق الأموال إلى زواريب السياسة:
لقد شجعت اتفاقيات التجارة الشركات على الاستعانة بمصادر خارجية للوظائف، لحماية الملكية الفكرية والأصول المالية للشركات، وليس على حساب وظائف وأجور الأشخاص الذين عملوا لمصلحة تلك الشركات.
وتمزقت شبكات الأمان التي نشأت بعد الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين، إلى جانب العقد الاجتماعي الضمني الذي ينص على أن نجاح أي شركة، يعني نجاح عمالها أيضاً. ووجد الموظفون بدوام كامل، ممن أمضوا عقوداً من الزمن في العمل لدى إحدى الشركات، أنفسهم بلا عمل بين عشية وضحاها، وبلا مكافأة نهاية خدمة، ولا مساعدة في العثور على وظيفة أخرى، أو تأمين صحي.
كما تقلصت مزايا العمل، وانخفضت نسبة العمال الذين يحصلون على معاش تقاعدي مرتبط بوظائفهم من أكثر من النصف بقليل في عام 1979، إلى أقل من 35%. وخُفضت أحجام النقابات العمالية، وتراجعت حصتها من القوة العاملة الأمريكية من 35% من إجمالي العاملين في القطاع الخاص في الخمسينيات، إلى 6% فقط، اليوم.
قبل خمسين عاماً، عندما كانت «جنرال موتورز» أكبر جهة توظيف في أمريكا، كان متوسط أجر العامل لديها 35 دولاراً في الساعة بالقيمة الحالية. اليوم، تمنح أكبر جهة توظيف في أمريكا «وول مارت»، موظفيها الجدد نحو 9 دولارات فقط،في الساعة. مع العلم أن موظف «جنرال موتورز» آنذاك، لم يكن أفضل تعليماً، أو تحفيزاً من نظيره في «وول مارت» اليوم.
في غضون ذلك، مكّن «تحرير التمويل» غزاة الشركات، أو من يُطلق عليهم اسم «النشطاء المساهمين»، و«مديري الأسهم الخاصة»، من إرغام الرؤساء التنفيذيين على التخلي عن جميع أصحاب المصلحة الآخرين، وسمح للمصرفيين الذين يتقاضون أجوراً عالية بالاستيلاء على مبالغ ضخمة. في المقابل، عرّض أغلب الأمريكيين لمخاطر اقتصادية كبيرة، وهو أمرٌ بلغ ذروته في الأزمة المالية العالمية، وعمليات إنقاذ ممولة من دافعي الضرائب لشركات «وول ستريت» الكبرى.
وأيضاً، تم توسيع وتمديد حقوق الملكية الفكرية، من براءات اختراع وعلامات تجارية وحقوق الطبع والنشر، ما يسمح لشركات الأدوية والتكنولوجيا الفائقة والتكنولوجيا الحيوية والترفيه بمواصلة احتكاراتها لفترة أطول، وبالتالي ارتفاع الأسعار للمستهلكين الأمريكيين، بما فيها أعلى تكاليف أدوية لأي دولة متقدمة.
كما أدى تدفق الأموال داخل الأروقة السياسية إلى تخفيف قوانين مكافحة الاحتكار، ما ضاعف أرباح شركات مثل «مونسانتو»، التي تحدد أسعار معظم بذور الذرة في البلاد؛ وعدد من عمالقة التقنية ذات القيمة السوقية الفائقة، مثل «أمازون»، و«فيسبوك»، و«أبل»، و«غوغل»؛ إضافة إلى أكبر بنوك «وول ستريت»، من بين شركات أخرى.
وساهم التدفق كذلك في تخفيف قوانين الإفلاس للشركات الكبيرة، وسمح لها بتمزيق عقود العمل، والتهديد بالإغلاق ما لم تحصل على تنازلات في الأجور، وترك العمال والمجتمعات المحلية تائهين. لكن في المقابل، لم تشمل قوانين الإفلاس المعدلة هذه أصحاب المساكن الذين يدينون لمنازلهم بأكثر من قيمتها الحقيقية، أو إلى الخريجين المثقلين بديون الطلاب.
لم تحدث هذه، وآلاف القرارات السياسية الأخرى من تلقاء نفسها. بل تم دفعها من قبل النخب الغنية في «وول ستريت»، وكبار المديرين التنفيذيين للشركات، الذين قدموا تبرعات ضخمة للسياسيين من كلا الجانبين، لضمان احترام رغباتهم، والحصول على المزيد من المحاباة القانونية التي تزيد ثرواتهم وسلطتهم.
* أستاذ السياسة العامة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي «أوراسيا ريفيو»
روبرت رايخ *
أعلم أن سياسة الضرائب الأمريكية ليست أكثر الأشياء إثارة للاهتمام التي أنوي الحديث عنها، أو التي تركز عليها وسائل الإعلام. لكنها في الواقع تسلط الضوء على أهم الاختلافات وأكثرها كشفاً بين عودة جديدة لترامب أو فترة رئاسية أخرى لبايدن.
سأبدأ بترامب. فخلال فترة ولايته الأخيرة في البيت الأبيض، حقق الرئيس السابق إنجازاً تشريعياً رئيسياً واحداً، إن جازت تسميته إنجازاً، وهو قانون التخفيضات الضريبية والوظائف لعام 2017، الذي وقع عليه ليصبح قانوناً في ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته. والواقع أن تكلفته كانت باهظة الثمن.
فعلى الرغم من أن زعماء الجمهوريين أكدوا أنها ستولد النمو وتضيف تريليون دولار من الإيرادات إلى خزينة الدولة، قدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن التخفيضات ستكلف 1.9 تريليون دولار قبل انتهاء صلاحية إقرارها عام 2025. وثبُت بالفعل أن تقديرات الكونغرس كانت على حق. إذ لم تنجح تخفيضات ترامب الضريبية بتوليد موجة الاستثمار الجديدة التي وعد بها، بل أدت إلى تفجير فقاعة الدين الوطني، وتوسيع فجوة التفاوت، بمنح مكاسب غير مستحقة للمستفيدين الرئيسيين من الأثرياء والشركات الكبرى.
لم تستخدم الشركات هذه المكاسب لمكافأة العمال أو زيادة الإنتاجية، وبدلاً من ذلك، زادت من عمليات إعادة شراء أسهمها فحسب، والتي ستتجاوز تريليون دولار بحلول عام 2025. فقد أنفقت 272 من أكبر الشركات في أمريكا 7 أضعاف ما دفعته من ضرائب على عمليات إعادة شراء الأسهم والأرباح بعد التخفيض الضريبي المفروض.
وما ارتفاع عمليات إعادة الشراء هذه إلا طريقة أخرى لترجمة قانون التخفيضات الضريبية والوظائف لعام 2017 على شكل ثروة أعلى للأثرياء بدلاً من زيادة أجور العمال. فخلال هذه العملية، توزع الشركات الأرباح على المساهمين من خلال عرض إعادة شراء الأسهم، ما يرفع سعر السهم تلقائياً. وهذا يزيد من ثروة جميع المساهمين، وخاصة أولئك الأكثر ثراءً الذين لديهم أكبر عدد من الأسهم.
في دراسة حديثة أجراها خبراء اقتصاد من اللجنة المشتركة للضرائب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، تبين أن العمال الذين يقل دخلهم عن النسبة المئوية التسعين من مقياس دخل شركتهم، (وهي المجموعة التي كان دخلها أقل من 114000 دولار تقريباً في عام 2016)، لم يشهدوا أي تغيير في أرباحهم نتيجة للتخفيض الضريبي الذي فرضه ترامب، فالأرباح نمت فقط لأولئك في القمة الذين حققوا أكبر المكاسب.
ولكن ماذا سيفعل ترامب إذا أعيد انتخابه؟ هل يُلغي القانون الذي أقره وينتهي في 2025؟ قد يمنح ذلك صُناع السياسات فرصة للتحرك نحو نظام ضريبي يزيد الإيرادات من خلال سياسات ضريبية تصاعدية، تتمثل بإنهاء التخفيضات الضريبية وزيادة معدلاتها على الشركات. لكن رسالة الرئيس السابق كانت واضحة في حملته الانتخابية الأخيرة لجمع التبرعات حيث قال: «إذا أعيد انتخابي فسوف أمدد التخفيضات الضريبية».
في الواقع، ستكون تكلفة تمديد التخفيضات الضريبية هائلة على اقتصاد الدولة، وبحسب تقديرات مكتب الميزانية بالكونغرس، ستبلغ 4.6 تريليون دولار على مدى العقد المقبل، أي أكثر من ضعف التكلفة الأصلية، ومن شأن هذا أن يتسبب في ارتفاع العجز والدين الفيدراليين عنان السماء.
وفي الشق ذاته، يفكر عدد من المشرعين الجمهوريين وبعض المستشارين الاقتصاديين لترامب في مزيد من التخفيضات الضريبية للشركات، بحجة أنها تعمل على تحسين القدرة التنافسية العالمية للولايات المتحدة.
وهذا ما يبرر ميل العديد من الرؤساء التنفيذيين والشركات الكبرى والأثرياء إلى صف ترامب، واستثمار المائدة المستديرة للأعمال أموالاً طائلة لعودته. لأنه سيخفض ضرائبهم، ويلغي اللوائح التنظيمية، ما يجعلهم أكثر ثراءً، على حساب بقية الشعب الأمريكي الذي سيدفع الثمن من خلال مزيد من دولارات الضرائب لسداد الفائدة على الديون الأكبر، وقليل من الأموال المخصصة للضمان الاجتماعي والرعاية الطبية أو أي احتياج عام آخر.
والآن، سأنتقل إلى خطة جو بايدن الضريبية، والتي هي عكس خطة ترامب تماماً. يقول الرئيس الحالي إنه لن يمدد قانون التخفيضات الضريبية الذي سنّه ترامب، مقترحاً زيادة الضرائب على الإيرادات التي تزيد على 400 ألف دولار سنوياً، مع خفضها على الأمريكيين من ذوي الدخل المنخفض.
يريد بايدن أن يدفع أثرياء أمريكا ما لا يقل عن 25% من دخلهم كضرائب، وأن يرفع ضريبة دخل الشركات إلى 28%، كما سيُنهي الإعفاءات الضريبية للشركات التي تمنح تعويضات للمديرين التنفيذيين بملايين الدولارات، وسيضاعف الضريبة التي تدفعها الشركات عند إعادة شراء أسهمها الخاصة.
ووجد تحليل معهد «أميركان إنتربرايز»، أنه بدلاً من تكلفة 4.6 تريليون دولار أخرى، كما هي الحال مع خطة ترامب، فإن تغييرات بايدن سترفع الإيرادات بمقدار 3.8 تريليون دولار، وستجعل النظام الضريبي أكثر عدالة وتقدمية.
من الواضح أن هناك العديد من الأسباب لإعادة انتخاب بايدن في الخريف، وأهمها السياسة الضريبية. كيف لا، والفارق البالغ 8.4 تريليون دولار في الإيرادات بين خطة الرئيس السابق لتمديد تخفيضاته الضريبية للأثرياء والشركات الكبرى، وخطة الرئيس الحالي لزيادتها على هذه الفئة، تدعو للذهول حقاً.
هذا هو الفارق بين حكومة قادرة على الاستجابة لاحتياجات الأمريكيين، وأخرى مصممة لجعل الأثرياء أكثر ثراءً.
*أستاذ السياسة العامة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي (أوراسيا ريفيو)
روبرت رايخ*
إذا سألت الأمريكيين العاديين عن أكثر ما يغضبهم حالياً، فسيأتي الافتقار إلى السكن بأسعار معقولة في مقدمة إجاباتهم، فضلاً عن التراجع الاقتصادي الحاصل في عهد الرئيس بايدن، حسب قولهم.
ومن بين الأسباب المهمة، ولكن غير المفهومة، وراء الارتفاع الكبير في أسعار المساكن والإيجارات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وهو ما أدى إلى شعور الكثيرين بخاصة الشباب بالإحباط، هو سيطرة «وول ستريت» على شريحة متنامية من سوق الإسكان، إضافة إلى ندرة المعروض الذي لم يعد يلبي الطلب إلى حد كبير.
لم يعد الأمريكيون اليوم يتنافسون فقط مع أمريكيين آخرين لشراء المنازل، بل أصبحت عطاءاتهم تُقدم ضد مستثمري «وول ستريت» أنفسهم على اختلافهم، والذين يمثلون حصة كبيرة ومتزايدة من مبيعات السوق العقاري. ولذلك، بدأ الديمقراطيون في الكونغرس أخيراً، بإعطاء هذا الاتجاه الاهتمام الذي يستحقه.
لقد فتحت حقبة ما بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 شهية الشارع لسوق الإسكان، عندما كانت العديد من المنازل حبيسة الرهن العقاري. وكما تتذكرون، خلقت «وول ستريت» فقاعة تلك الأزمة من خلال التمويل المفرط، والمحفوف بالمخاطر، والذي كان في كثير من الأحيان في هيئة قروض عقارية لأشخاص غير قادرين على سدادها عندما يحين الموعد، ليجد أصحاب المنازل أنفسهم آنذاك مدينين لعقاراتهم بأكثر من قيمتها قبل 15 عاماً، بسبب الركود العميق، وفقدان الملايين من الأمريكيين وظائفهم.
بعد ذلك، تحولت «وول ستريت» إلى مفترس من جانبين، الأول حين تسببت بداية الأزمة، بفقاعة الإسكان التي انفجرت. والثاني شراء الكثير من المعروض المتبقي بأسعار بخسة، وبيعها، أو تأجيرها لاحقاً سعياً وراء أرباح كبيرة. ولا يزال الافتراس مستمراً. فالطلب المتزايد على الإسكان في أمريكا جعل من المنازل استثمارات رائعة، شريطة أن يكون لديك ما يكفي من الموارد لشرائها.
وفي النتيجة، أصبحت ملكية المساكن تشكل جزئياً، حجر الزاوية في ثروة الأجيال القادمة في الولايات المتحدة، وأصبح في المقابل جزء كبير من الحلم الأمريكي بعيداً عن متناول عدد كبير ومتزايد من الأمريكيين، وتحديداً الشباب منهم.
وفي جميع أنحاء أمريكا، قامت صناديق التحوط (في هيئة شركات، وشراكات، وصناديق استثمار عقاري تدير الأموال المجمعة من المستثمرين)، بشراء منازل بأسعار بخسة، مستهدفة في كثير من الأحيان الأحياء التي تضم أعداداً كبيرة من السكان السود واللاتينيين المهاجرين، وتحويل العقارات إلى سوق كبير للإيجار.
وعلى سبيل المثال، في أحد الأحياء شرق شارلوت، بولاية نورث كارولينا، اشترى المستثمرون المدعومون من «وول ستريت» نصف المنازل التي تم بيعها بين عامي 2021 و2022. وفي إحدى المناطق السكنية، بيعت جميع المنازل باستثناء واحد، «نقداً» إلى مستثمر قام بعد ذلك بتأجيرها خلال هذه السنوات.
وبحلول شهر مارس/ آذار الماضي، وفقاً لأحدث البيانات المتاحة، كانت صناديق التحوط تمثل 27% من كل مشتريات المساكن التي تقطنها أسرة واحدة، في الولايات المتحدة.
ومع ذلك، تكشفت بعض الأخبار الجيدة مؤخراً. حيث قدم الديمقراطيون مشروع قانون في مجلسَي النواب والشيوخ يمنع صناديق التحوط من شراء وامتلاك أي منازل لأسرة واحدة في الولايات المتحدة، على الإطلاق، كما يطلب منها بيع جميع المنازل التي تمتلكها من نفس الفئة على مدى 10 سنوات.
وخلال فترة الإلغاء التدريجي التي تستمر عقداً من الزمن، سيفرض مشروع القانون عقوبات ضريبية صارمة، مع تخصيص العائدات لمساعدة الدفعة الأولى للأفراد والعائلات الذين يتطلعون إلى شراء منازل من أصحاب الشركات.
وإذا تم التوقيع عليه ليصبح قانوناً، فمن المحتمل أن يؤدي هذا التشريع إلى زيادة المعروض من منازل الأسرة الواحدة المتاحة للمشترين الأفراد، وبالتالي جعل السكن في متناول الجميع وبأسعار معقولة.
ويسخر الكثير من الأمريكيين الذين أقابلهم هذه الأيام من الوضع الذي آلت إليه البلاد. وأنا أفهم سخريتهم.
ولكن التهكم من الممكن أن يتحول إلى نبوءة محققة ربما تعني التخلي عن النضال والكفاح للوصول إلى مجتمع أكثر عدالة. ومع ذلك، ليس لدي أدنى شك في أن مشروع القانون هذا سيصبح قانوناً نافذاً في القريب العاجل، وهو الذي يوفر، إلى جانب العديد من التشريعات الأخرى التي قدمها الديمقراطيون في الكونغرس، خارطة طريق تصور المسار الذي يمكن أن تتجه إليه البلاد، إذا ما أتيحت لها قيادات حكيمة وواعية.
لكن قادة الصناعة في البلاد، ومستثمري «وول ستريت»، لا يرغبون في شيء أفضل من أن نتخلى عن هذه المعركة، حتى يتمكنوا هم من خوضها وفق شروطهم. وعليه، أدعو الأمريكيين لمواصلة التحدي والتحفيز، والضغط من أجل إنفاذ مشروع القانون العقاري الجديد.
* أستاذ السياسة العامة بجامعة كاليفورنيا، بيركلي«أوراسيا ريفيو»
روبرت رايخ *
عندما ترتفع أسعار الفائدة بالسرعة التي رفعها بها بنك الاحتياطي الفيدرالي، يتعين على البنوك إما أن تدفع المزيد مقابل الودائع أو الاقتراض. لكن ما تكسبه تلك البنوك في المقابل من قروضها وسنداتها التي بحوزتها لم يرتفع بنفس الوتيرة تقريباً، ما يتسبب في ضغوط كبيرة عليها ويمهد الطريق لأزمة مصرفية جديدة.
قد لا يكون لدى المؤسسات المصرفية ما يكفي من رأس المال لمواجهة العاصفة الاقتصادية، وقد أظهر الفشل الوشيك الذي تعرضت له العديد من البنوك المتوسطة الحجم في شهر مارس/آذار الماضي، مدى هشاشة النظام المالي.
وعلى هذا فإن الهيئات التنظيمية للبنوك الحكومية، بقيادة مايكل بار، نائب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي المسؤول عن مراقبة السياسة المالية للبلاد، اقترحت تخصيص البنوك المزيد من رأس المال للتحوط من مخاطر الفشل المحتملة. ومن الواضح أن بار والفيدرالي كانا على حق في هذا. إذ إنه من الضروري توفير المزيد من رأس المال لتجنب أزمة مالية أخرى وصرف شيكات إنقاذ إضافية لدافعي الضرائب.
لكن عمالقة البنوك تعارض ذلك، بحجة أن تخصيص المزيد من رأس المال يعني سيولة أقل لإنجاز المعاملات، وبالتالي أرباحاً أقل. وبينما تواصل هذه البنوك جني أعلى المكاسب على رهاناتها، تعتمد على أموالك وأموالي المودعة عندها ليتم إنقاذها إذا ما واجهت أزمة ما. ولذلك، انتقد الرئيس التنفيذي لبنك «جيه بي مورغان تشيس»، جيمي ديمون، تحرك السلطات التنظيمية المشرفة على النظام المالي الأمريكي لزيادة متطلبات رأس المال، محذراً من أن ذلك قد يدفع المقرضين إلى الانسحاب وإعاقة النمو الاقتصادي.
في الواقع، من الممكن أن تقضي معارضة ديمون، الذي يتمتع بقدر كبير من النفوذ السلطوي، على الاقتراح. فالبنك الذي يترأسه هو الأكبر في الولايات المتحدة، وهو نفسه «المصرفي الأقل كراهية في أمريكا»، بحسب وصف صحيفة «نيويورك تايمز» له بعد الأزمة المالية عام 2008. وحتى وقت قريب، كان ديمون يترأس مجموعة «بزنس راوند تابل» التي تضم أقوى الرؤساء التنفيذيين في أمريكا، وهو دائم الظهور في المقابلات التلفزيونية وتتصدر أخباره عناوين الصحف، ولآرائه وزن كبير في «الكابيتول هيل». والأهم من ذلك أن «جيه بي مورغان تشيس» أكبر من أن يُسمَح له بالإفلاس، وإذا ما وقع ضحية أزمة مصرفية، سنضطر نحن دافعي الضرائب إلى إنقاذه.
في غضون ذلك، حثّ كل مشرع جمهوري في لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب بنك الاحتياطي الفيدرالي على سحب الاقتراح. وأطلق معهد السياسات المصرفية، وهو مجموعة ضغط في وول ستريت، حملة إعلانية وطنية تحث الأمريكيين على «المطالبة بإجابات» بشأن الاقتراح الجديد. وتهدد مجموعات الضغط المالية الأخرى برفع دعاوى قضائية. لكن ما يقلقني حقاً هم الديمقراطيون، وجيمي بالطبع، من أهم جامعي التبرعات لهم في وول ستريت، ويتمتع بنفوذ كبير داخل الحزب.
في ربيع عام 2018، اتصل بي ديمون في مكتبي في بيركلي. وانتقدت علناً آنذاك البنك الذي يترأسه، ولم يكن مسروراً بالطبع. بل كان غاضباً لأني وجهت أصابع الاتهام بدرجة كبيرة إلى كبرى البنوك في الولايات المتحدة، والتي تتحكم بنسبة كبيرة من أصول البلاد.
لقد كنت محقاً في انتقادي. إذ تسيطر الآن أكبر خمسة بنوك في «وول ستريت»، بما فيها «جيه بي مورغان»، على أكثر من نصف أصول الصناعة المصرفية الأمريكية التي تبلغ قيمتها 15 تريليون دولار. ما يعني وضع قوة مالية وسياسية هائلة في أيدي عدد قليل جداً من الأشخاص والمؤسسات، ومن ضمنهم ديمون.
في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، عندما كانت الخدمات المصرفية محدودة، كان القطاع المالي يمثل 10 إلى 15% فقط من أرباح الشركات الأمريكية. ولكن إلغاء القيود التنظيمية جعل التمويل أكثر إثارة وربحية، وبات القطاع المالي الآن يمثل أكثر من 30% من أرباح الشركات. وهذا أكثر من ثلاثة أضعاف الأرباح المحققة في جميع الصناعات التحويلية في الولايات المتحدة.
ولم تكن حزمة القواعد التنظيمية التي وُضعت بعد الأزمة المالية عام 2008، ويُشار إليها باسم «دود-فرانك»، صارمة مثل القوانين واللوائح المصرفية في الثلاثينات. وقد نص القانون على خضوع البنوك لاختبارات الإجهاد من قبل الفيدرالي والاحتفاظ بحد أدنى معين من النقد في ميزانياتها العمومية للحماية من الصدمات، ولكنه لم يمنع البنوك من المقامرة بأموال مستثمريها.
فلماذا لم يذهب «دود- فرانك» إلى أبعد من ذلك؟ لأن جماعات الضغط في وول ستريت، برئاسة جيمي ديمون والمدعومة بتبرعات سخية للحملات الانتخابية من الشارع، لم ترغب في المزيد من القيود على الأرباح التي يمكن أن تجنيها.
ويبقى السؤال، في حال استمرار معارضة ديمون والتنفيذيين في كبار البنوك الأمريكية لضوابط رأس المال الأكثر صرامة، والتي تزيد من هشاشة النظام المصرفي، فمن الذي سيخسر وظائفه ومساكنه ومدخراته؟ إنهم الأمريكيون الفقراء والطبقات العاملة بكل تأكيد، لا المصرفيون.
* أستاذ السياسة العامة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي