المرأة.. ذاكرة

00:02 صباحا
قراءة دقيقتين

عصامية المرأة الإماراتية صفة ثقافية ومجتمعية ارتبطت بها منذ ما قبل ظهور النفط، واكتسبت من خلال هذه الخصيصة النبيلة منزلة رفيعة محترمة، ومن أهم معاني هذه العصامية أنها مرتبطة بالأرض والمكان والناس والذاكرة، فهي مطوّعة قارئة للقرآن ومعلّمة للطلبة والطالبات أيام كان التعليم بدائياً، ولكنه كان تعليماً أساسياً من حيث تعلم اللغة العربية، وعلوم الدين، والفقه والبلاغة والشعر.
احتاج المجتمع الإماراتي للمرأة فوجدها عنصراً اجتماعياً فاعلاً في الحياة وفي الثقافة وفي التعليم، فلم تكن المرأة هامشية في يوم من الأيام، بل، كانت كائناً منتجاً حتى أن بعض مصادر ثقافة البحر في الإمارات تشير إلى أن بعض النساء شاركن في الغوص على اللؤلؤ، وقصّ الأثر، وقد أشرت إلى هذه النقطة في مقالات سابقة.
كتبت قبل فترة عن النساء الرّاويات في الإمارات، وعددهن ليس بالقليل، وقد صدر عن مركز الشارقة للتراث كتابان توثيقيان يعرّفان بالرّاويات الإماراتيات العصاميات، والمضاف هنا، أن المرأة الإماراتية في الزمن الاجتماعي الماضي لم تكن راوية للقصص والحكايات والخراريف فقط، وهي ثقافة شعبية محلية أصيلة، بل، كانت المرأة أيضاً حكيمة، والحكيمة هي تلك المرأة التي تعرف في الطب الشعبي، والأعشاب المعالجة، وكل هذه الثقافة المحلية إنما هي مكتسبة بالتجربة والخبرة ودقة الملاحظة.. خبرة مكتسبة من المكان ومن المجتمع.
اليوم، الشابة الإماراتية خرّيجة الجامعة التي تستخدم الجوّال والإنترنت ووسائل الاتصال الإلكترونية تقبّل رأس جدّتها التي كانت تقطف الرطب من النخلة وتعيش على الفنر، وتلقط الهواء البارد من البراجيل.. اليوم، الشاب الإماراتي الذي يكتب الشعر الحديث وقرأ في الجامعة تاريخ آداب العالم يُقبل رأس جدّه.. الذي كان يكتب الشعر النبطي، ويعود من البحر بخير البحر، ورزق الماء.
وصل الإماراتي إلى المريخ، ويعيش في كنف واحد من أنجح وأقوى اقتصادات العالم، وهو يستخدم التكنولوجيا بذكاء وإيجابية عالمية، ويجلس في مجالس إدارات كبريات الشركات إلى جانب بنت بلده وأهله، وهي أيضاً إلى جانبه طبيبة حيوية في المستشفى، ومديرة في المدرسة، وصحفية إلى جواره في الجريدة، ومهندسة، وباحثة، ودبلوماسية، وعسكرية، ورسّامة، وسيدة بيت، وقائدة طائرة، وتعرف في الفن والأناقة والجمال.. والمهم في كل هذا الجميل.. أنها لم تنسَ جدّتها ولم تنسَ ذاكرة بلادها.. والمرأة ذاكرة...
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"