ما رأيك في رحلة على بساط ريح آلة الزمن، إلى بلاد عجائب العصور الغابرة، العصر الحجري مثلاً؟ لا تخف، فالعلماء كلامهم مدوّخ أحياناً. يعود أوّل هذا العصر إلى 3. 4 ملايين عام، وينتهي عند أربعة آلاف عام قبل الميلاد. سنستخدم النسبية في جولتنا، وإن كان فهمها عويصاً نظريّاً، لكن التطبيق ظريف.
عند الانطلاق من الماضي إلى الحاضر، تستغرق الرحلة 3. 4 ملايين سنة. أمّا السفر من زماننا إلى تلك الأعصار، فلا يحتاج إلى مشقّة لدى القوى العظمى. القلم يذكر، إن لم تكن الذاكرة قد تزهمرت، الدبّ الأمريكي نورمان شوارتسكوف يوم طلب من البيت الأبيض السماح له بإزالة العراق من الخريطة، فقيل له: «لا حاجة إلى ذلك، سوف نعيده إلى العصر الحجري، وكفى». صارت العبارة، لاحقاً، لازمة تتردّد في السمع العربي، في ليبيا، في سوريا، أمّا في السودان فالرحى الذاتية تطحن البشر والشجر والحجر. وأمّا غزّة فما للضمائر هزّة أو حتى وخزة.
النسبية الطريفة. من بداية العصر الحجري إلى عصرنا 3. 4 ملايين عام، أمّا القوة العظمى فلا تتطلب أكثر من أيّام معدودات لجعل بلد ذي حضارات متعاقبة، أثراً بعد عين. عبارة «الإعادة إلى العصر الحجري»، واضحة فاضحة ناضحة ناطحة. مقصود قوى الدمار الشامل، أن تمسي البلدان، التي كُتب عليها تداعي أحجار الدومينو: لا صناعة، لا زراعة، لا علوم، لا تقانة، لا تعليم، لا إنجاز من قبيل الإعجاز كمحو الأمّية. تأمّل سحر القوة، فمحو البلدان من الخرائط أسهل عند العضلات المفتولة، من محو الأمّية في أمّة «اقرأ».
لكن، حذار الإصابة بالاستشراف، كأن تبني على الحسابات مقتضاها، فيتزحلق ذهنك إلى أنه من 2003 إلى 2024، في عقدين، تناثرت كأوراق الخريف ستة بلدان، وتبلبلت وتخلخلت وتقلقلت أخرى. فلا تسمح لخيالك الاستدلالي بالانصراف إلى أن العدد قد يتضاعف سنة 2044، إذا لم يتسارع الإيقاع. العقل العربي اليوم في أقصى حالات التحمّل. وضع يشبه مواجهة التسونامي، بغير دفاع: «كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ».
المسرح الدوليّ يتبارى فيه الأقوياء بالمزايدات الكلامية، «والحرب أوّلها كلام»، يتراشقون باحتمالات استخدام الأسلحة النووية التكتيكية، والانتقال منها إلى النووية الاستراتيجية. كان على «بلاد العُرْب أوطاني» أن تفكر بعد الحرب العالمية الثانية مباشرةً، في ربط أدوات الدفاع بعلوم العصر، حتى لا تتوهّم الشعوب أن رصيدها الدفاعي مئات من مرادفات السيف والأسد، أمام الرعب النووي.
لزوم ما يلزم: النتيجة التصنيفيّة: للتسلية، تستطيع قضاء وقت مفيد في هذا اللغز: غزّة حلقة في تداعي أحجار الدومينو، أم حالة فردية؟
[email protected]