يذكر الناقد الأدبي والأكاديمي الإنجليزي «موريس بيكهام 1914-1993»، في مقالة حول النقد، أنه خلال الأشهر الستة الأولى من عام 1979 أعاد قراءة ست روايات رئيسية من أعمال تشارلز ديكنز، ويقول إنه كان قد قرأ هذه الروايات سابقاً وأعجب بها وتمتّع بها، وفي الخامسة والستين من عمره حين أعاد قراءة هذه الروايات يقول إنه وجدها، هكذا بالحرف، رديئة جداً.. «لم أعد قادراً على قراءة ما أصبحت أعتقد أنه تافه»، وفي مكان آخر من المقالة يقول: «يبدو واضحاً أن القيمة التي نسبتها لروايات ديكنز سابقاً، ثم إنكاري لهذه القيمة حالياً إنكاراً مشوباً بالقرف.. هما شأن خاص بتاريخي ومزاجي الخاصّين».
كان موريس بيكهام يتحدث عن نقطتين أساسيتين بالنسبة له في ما يتعلق بالنقد للأعمال الأدبية، هما: الكفاءة، والقيمة، كفاءة العمل الأدبي، ثم قيمته، ولذلك، فهو يقول في مقالته تلك التي تعود إلى أكثر من أربعين عاماً «إن الأمر لا يتجاوز واقع أنني كنت قادراً في وقت ما على استخدام ديكنز كرمز قيمة يعزّز قيمتي الذاتية، وإنني غير قادر على ذلك الآن»، أي وهو في الستين من عمره.
ويوضّح بيكهام رأيه هذا بالقول: «إن الفرد يعمد في سياق تجاربه إلى تعديل شخصيّته، فيضطر، أحياناً، إلى التخلّي عن بعض رموز القيمة، وتبنّي رموز أخرى».
من المهم اليوم، في ثقافتنا العربية النقدية (تحديداً النقد الأدبي)، قراءة ومراجعة وإعادة قراءة مثل هذا الفكر النقدي الذي ينأى عن تصنيم بعض الأعمال الأدبية، وإطلاق صفة القداسة عليها، واعتبارها خطوطاً حمراء لا يجب تجاوزها أو خرقها أبداً، وكأنها إشارات مرور، ولذلك، يقول بيكهام في مقالته القديمة تلك: «يبدو أن هناك في كل ثقافة بعض الكتّاب الذين تُنسب لأعمالهم صفة القداسة، ومن الواضح أن ثقافتنا الغربية تمنح هذه القداسة لشكسبير».
يلاحظ بيكهام قبل نحو نصف قرن أن النقاد الذين يقلّلون من شأن شكسبير، وينكرون عظمته هم قلّه، ذلك لأن (إنكار هذه العظمة يشوّه سمعة الناقد).
أي بكلمة ثانية من عندي يتحوّل شكسبير أو المتنبي أو دانتي إلى سلطة، وإن إنكار هذه السلطة الثقافية أو الأدبية يرتد تشويهاً لسمعة كل من يعلن أو يشهر هذا الإنكار.
أما القراءة الثانية، قراءة الستين من العمر، فهي الأكثر قدرة فعلاً على الفرز بين القيمة والكفاءة، وهي القراءة المتأخرة التي تمنح صاحبها بطاقة الإنكار، أي بطاقة الجرأة وعدم الخوف.
لقد أمسك «موريس بيكهام» برقبة شكسبير، وشدّه من ياقة معطفه من دون الخوف من حرّاس الأصنام ونواطير المومياء، ولم يكترث من سلطة ديكنز أو غيره، ووصف بعض رواياته بالتفاهة.
[email protected]