عبد الإله بلقزيز
من الأخطاء الشّائعة حسبانُ ثقافة الجمهور، أو الثّقافة الجماهيريّة في التّعبير الدّارج، ثقافةً شعبيّة. ربّما عاد سبب مثل هذا الخلط بين الثّقافتين إلى كونهما تشتركان في السِّمة عينِها: سعة الانتشار والتّداول مقارنةً بالثّقافة العالِمة، أو ثقافة النّخبة، التي تضيق مساحة المنتمين إليها وقاعدة متداوِلي موادِّها. وربّما عاد إلى أنّ مستهلك الثّقافتين واحدٌ، هو الشّعب بما هو الجمهورُ الأعظم عدداً في المجتمع. وقد يعود سببُ ذلك، ثالثاً، إلى أنّ الثّقافتين معاً تتوسلان - في العادة - اللّغة عينَها: الشّائعةَ والدّارجة فيسهُل على النّاس، بالتّالي، أن يتداولوهما من غير عُسْر. مع هذه المشترَكات بينهما جميعِها، فإنّه لا يراد من معنى أيٍّ منهما معنى الثّانية، إذْ هما من مَنْبَتيْن مختلفين والفاعل فيهما ليس واحداً.
ثقافة الشّعب ينتجُها الشّعب، فهي منسوبة إليه من حيث هو مصدرُها، وليست تلك هي حالُ الثّقافة الجماهيريّة التي يصعُب، تماماً، أن تُوسَم بأنّها ثقافة شعبيّة أو أن تُنْسَب إلى الشّعب فيُزْعَم أنّه صاحبُها. ليس هذا المجالَ المناسب لإقامة تمييزٍ نظريّ (ضروريّ ومفيد في كلّ حالٍ) بين مفهوميْ الشّعب والجماهير اللّذين يقع الخلط والمرادَفة بينهما، في أكثر أحوال الاستعمال (وفي الاستعمال السّياسيّ على نحوٍ خاص)، بَلِ الأهم - في ما يعنينا - أن ننبّه إلى أنّ هذا الخلط ليس يجوز لا في السّياسة ولا في الثّقافة، وأنّه إذا كان يقود، في العمل السّياسيّ، إلى السّقوط في نزعة شعبويّة غالباً ما تصطدم بجدار الامتناع، فهو يقود في الثّقافة إلى نسبةِ «كليشيهات» ثقافيّة مبتَذلة إلى الشّعب فيما هي ليست منه، بل أُعِدَّت في بيئاتٍ أخرى وأُلْقِمَت إلقاماً إلى جمهورٍ قصد استهلاكها. هكذا يصير الشّعب، الذي يُتعالى به في الشّعبويّة، موْضِعَ حِطّةٍ من منزلته حين تُجْعَل الثّقافةُ الجماهيريّة مقرونة به!
الثّقافة الجماهيريّة ليست منتوجاً شعبيّاً، إذن، بل هي منتوج نخبوي، إذِ النّخب هي من تصطنعها وتوزِّعها. لا يغيّر من حقيقة هذا أنّ تلك الثّقافة تتوسّل لغةً مُبَسَّطةً أدنى إلى لغة الشّعب من لغة النّخب، فتلك حيلةٌ ضروريّة من أجل تمكين المادّة الثّقافيّة من أن تفشوَ ويتّسعَ نطاق انتشارها لتكون جماهيريّة.
وهذه الحقيقة لا تُدْرَك إلّا متى أخذْنا في الحسبان أنّ الجماهيريّةَ المتغيّاةَ، في عمليّة صناعة هذه الثّقافة، هي جماهيريّة مَهدوفٌ إلى تحصيلها لأنّ ما يترتّب عنها من المنافعِ والمصالح وفير. لذلك ليس من أغراضٍ جماليّة في ذاتها في هذه الثّقافة الجماهيريّة، نظير تلك التي نجدها في الثّقافة الشّعبيّة، وإنّما الجمالي فيها مجعولٌ للجذب والإغراء ليس أكثر.
حين نعرِّف هذه الثّقافة الجماهيريّة بأنّها ثقافةُ نُخَبٍ، لا نعني بذلك أنّها ثقافةٌ عالِمة، لأنّ هذه - بكلّ بساطة - لا يمكنها أن تكون جماهيريّة ولا أن تصير، يوماً، إلى الجماهيريّة لأنّها عوصاءُ على السّواد الأعظم. إنّها ليست ثقافةَ المفكّرين والأكاديميّين وكبار الأدباء، وإنْ كان الأدب والفكر في جملة ما يمكن أن يدخل في تكوينها، بل ثقافة نخبٍ وسطى واسعة من السّياسيّين والإعلاميّين والفنّانين من الذين يستطيعون التّأثير في شرائح واسعة من فئات المجتمع وطبقاته بالمادّة الثّقافيّة التي ينتجونها: أكانت خطاباً سياسيّاً أو خطاباً إعلاميّاً أو مادّةَ إعلانات أو منتوجاً فنيّاً مسموعاً ومرئيّاً.
في وُسع هذه المصادر المختلفة أن تنسج ثقافةً عامّة عابرة لحدود الفئات، وواسعةَ الانتشار إلى الحدّ الذي تكون فيه جزءاً من الثّقافة الجمْعيّة داخل المجتمع. أن تكون هذه الثّقافة قادرةً على الفُشوّ أكثر من سواها من الثّقافات أمرٌ مردُّهُ إلى مفعوليّة الوسائط التي تنقلها إلى الجمهور الأوسع وقوّتها الإنفاذيّة، حين تملك تلك الوسائط، من إذاعات وتلفزات وإعلانات إشهاريّة وأقراصٍ مدمجة وفيديوهات وصالات عرض...، قدرةً على تعميم المادّة الثّقافيّة على العموم الاجتماعيّ، وعلى تكرار تقديمها وصولاً إلى ترسيخها وتصييرها مألوفة.
من الواضح أنّ لهذه الثّقافة الجماهيريّة أكثر من وظيفة، فإلى أنّها تستدرج مستهلكيها إلى المزيد من الانجذاب إلى المصادر التي تنتجها، وإلى أنّها تُحقِّق رغبةً لدى صانعيها في تكريس اتّجاهاتٍ في الرّأي دون أخرى، وفي توليد أذواقٍ وحساسيّاتٍ جماليّة بعينها وترسيخ قيمٍ دون أخرى، فهي توفِّر فرصاً للرّبح وتعظيم المكاسب المادّية من وراء نشرها.
لذلك يكون الغالبُ على المادّة الثّقافيّة الجماهيريّة أن تخضع لعمليّة تسليعٍ واسعة النّطاق، وأن تقدّم نفسها في صورة معروضات وسِلَع للاقتناء. أمّا ما لا يأخذ منها شكلَ سِلَعٍ وبضائع، مثل المادّة الثّقافيّة السّياسيّة والحزبيّة والإعلاميّة، فإنّ المغانم المتحصَّلة منها تكون، على الأغلب، سياسيّة وإيديولوجيّة، وهي ليست منفصلة تماماً عن نقطتيْ الجذْب الرّئيسيتين: المال والنّفوذ.