على نهج القرآن الكريم، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والصالحون من بعدهم، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدخل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيجده نائماً على حصير أثَّر في جنبه، فيقول له: يا رسول الله، لو اتخذت فراشاً أوْثَر من هذا فقال صلى الله عليه وسلم: «ما لي وللدنيا، والذي نفسي بيده، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة، ثم راح وتركها» وفي رواية أخرى، قال عمر: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة».
وفي الحديث الشريف: «إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»، وفي حديث آخر «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».
يخاطب الله عز وجل، الإنسان بقوله تعالى: «وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً» (الإسراء: 37) ويصف عباده المؤمنين بقوله تعالى: «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِ لُونَ قَالُوا سَلَاماً» (الفرقان: 63) ويوجِّه نبيه صلى الله عليه وسلم، بقوله: «لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ» (الحجر: 88) وكان من وصايا لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه، كما جاء بالقرآن الكريم «وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» (لقمان: 18).
تؤكد هذه الآيات أهمية التواضع في حياة الإنسان عامة وخاصة المسلم، لما للتواضع من أثر طيب على النفس البشرية وعلى المجتمع الإسلامي كله.
لأن لباس الإنسان قد يدل على تكبره، وتفاخره على غيره، فقد وجَّهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى ترك التفاخر الدال على التكبر، بقوله: «من ترك اللّباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيِّره من أيِّ حلل الإيمان شاء يلبسها» والقصص والمواقف الدالة على التواضع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، كثيرة، لا تُحصى، منها ما رواه أبوداود عن أبي ذر وأبي هريرة قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو، حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن نجعل له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه.
على الدَّرْبِ نفسه، سار خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز، فذات ليلة كان عنده قوم، فغَشِيَ سراجه، فقام إليه فأصلحه، فقيل له: يا أمير المؤمنين، ألا نكفيك؟ قال: وما ضَرَّني، قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز.
سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها، عمَّا كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، فقالت: كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. وكان صلى الله عليه وسلم يخيط ثوبه ويخصف نعله ويحلب شاته ويخدم نفسه صلى الله عليه وسلم. وعلى نهج الحبيب صلى الله عليه وسلم، سار خلفاؤه الراشدون من بعده، فكان أبوبكر رضي الله عنه يحلب الشاة لجيرانه وكان عمر رضي الله عنه يحمل قربة الماء، وكان عثمان رضي الله عنه، وهو يومئذ خليفة، يقيل في المسجد ويقوم وأثر الحصباء في جنبه وكان علي رضي الله عنه يحمل التمر في ملحفة ويرفض أن يحمله عنه غيره؟
من القصص الخالدة، قصة أبي بكر الصديق مع أسامة بن زيد والذي كان أمَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن يُقبَض، على جيش المسلمين لمحاربة الروم وما كان من اعتراض كبار الصحابة على إصرار أبي بكر وهو خليفة المسلمين، على قيادة أسامة الجيش وهو حينئذ شاب صغير وهناك من الصحابة مَن هو أسنُّ منه، يحكي لنا ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» فيقول: عن الحسن البصري أن أبا بكر لما أَصرّ على تجهيز جيش أسامة، قال بعض الأنصار لعمر: قل له فليؤمر علينا غير أسامة، فذكر له عمر ذلك، فيقال إنه أخذ بلحيته وقال: ثكلتك أمك يا بن الخطاب، أُؤمِّر غير أمير رسول الله ﷺ ثم نهض بنفسه إلى الجرف فاستعرض جيش أسامة وأمرهم بالمسير وسار معهم ماشياً وأسامة راكباً وعبد الرحمن بن عوف يقود راحلة الصديق. فقال أسامة: يا خليفة رسول الله إما أن تركب، وإما أن أنزل، فقال: والله لستَ بنازل ولستُ براكب.
أما قصة الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهو في طريقه إلى الشام، فهي نموذج آخر من نماذج التواضع الذي تربى عليه أصحاب رسول الله ﷺ، فعن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبوعبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة له، فنزل عنها، وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبوعبيدة: يا أمير المؤمنين، أنت تفعل هذا؟ تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة، ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك، فقال عمر: أوه، لو قال هذا غيرك يا أبا عبيدة، جعلته نكالاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.