حسام ميرو
تحت مسمى القانون الدولي، توجد مجموعة من المبادئ والاتفاقيات والبروتوكولات، تنظم العلاقات بين الدول والمؤسسات والهيئات وحتى الأفراد، وهذه كلّها مصادق عليها من قبل معظم الدول في الأمم المتحدة، وتعدّ من حيث البنية والشكل حصيلة تطوّر هائل في القانون الدولي، للحفاظ على الغاية الأسمى، أي السلم والأمن العالميين، ومنع حدوث تهديدات كبرى لهما، ولكلّ ما يتعلق بهما من نشاط دولي، مثل أمن المدنيين، وحرية الملاحة، وأمن الأجواء، وأمن خطوط التجارة العالمية، لتأمين سلامة مرور البضائع عبر شبكات سلاسل التوريد الطويلة، وغير ذلك من القضايا الحيوية لضمان استمرار النوع البشري.
الكلفة الباهظة لهذا التطوّر الذي عرفه القانون الدولي دُفعت من خلال حربين عالميتين، أزهقتا أرواح ملايين البشر في أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا، عدا عن التدمير الهائل للبنى التحتية والمدن والمؤسسات الخدمية، وكان تأسيس الأمم المتحدة في عام 1945، بمنزلة إعلان عن بداية فصل جديد، يستبدل الحرب العسكرية بالحرب الباردة، ضمن اتفاقيات موقعة من الفاعلين الدوليين الكبار، لمنع الانزلاق نحو حرب عالمية جديدة، وإيجاد آليات تحكم العلاقات بين الدول، وتعالج ما بينها من توتّر وأزمات، لضمان عدم وصولها إلى لحظة الانفجار.
المبدأ الأساس الحاكم لظهور الأمم المتحدة ككيان دولي جامع، كان مبدأ سيادة الدول على أراضيها، إذ يمنع هذا المبدأ تدخّل أي دولة في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، أو الانتقاص من سيادتها، وجاء هذا المبدأ ليمنع تكرار مشهد اجتياح الجيش الألماني للأراضي البولندية في 29 سبتمبر/ أيلول 1939، الذي فتح أبواب الحرب العالمية الثانية على مصاريعها، واستدعى انخراط عدد كبير من داخل القارة الأوروبية وخارجها في الحرب، وبذلك رسم هذا المبدأ المؤسس لشكل تفاوضي في العلاقات الدولية، يجعل من المعالجة الدبلوماسية السبيل الأفضل لتجنّب الحرب.
رسوخ هذا المبدأ بين الفاعلين الخمسة الكبار في مجلس الأمن، أمريكا، والاتحاد السوفييتي السابق (روسيا اليوم)، والصين وبريطانيا وفرنسا، أسهم فيه الردع النووي، فهذه الدول الخمس تمتلك أسلحة نووية، ما يجعل من أي حرب مباشرة بينها حرباً على البشرية جمعاء، فكل رأس نووي قادر على إبادة عشرات الآلاف من البشر، وربما أكثر، في لحظة واحدة، وهو ما كان العالم قد خبره في هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين في 6 و9 سبتمبر/ أيلول 1945، وقد بقيت قوة الردع النووية فاعلة في منع نشوب حروب عالمية، وقد انضم لاحقاً عدد من دول العالم إلى النادي النووي، لمحاولة تثقيل دورها الإقليمي والدولي.
لكن سياق تطور دور القانون الدولي في منع الحروب شهد حالات التفاف عليه من قبل الدول، خصوصاً الدول الفاعلة في إقليمها أو على المستوى الدولي، فإدراك الفاعلين الكبار مخاطر استخدام القوة النووية، دفعهم إلى ارتكاب أفعال يمكن تبريرها باسم القانون الدولي نفسه، أو تحت يافطة «الأمن والسلم العالميين»، أو انتهاك مبدأ «سيادة الدول»، في الوقت الذي يجري فيه نوع من تعطيل متعمّد لدور مجلس الأمن، من خلال استخدام حقّ النقض «الفيتو»، أو من خلال تكريس وقائع ميدانية على الأرض، من دون المرور عبر شرعية الأمم المتحدة.
في عام 2022 اجتاحت القوات الروسية الأراضي الأوكرانية، وهي من وجهة نظرها أن أوكرانيا تهدّد أمنها القومي، من خلال سعيها لأن تكون عضواً في حلف الناتو، ومن الناحية العملية، فإن دخول أوكرانيا إلى هذا الحلف يشكل تهديداً متعدد الجوانب على الأمن الروسي، لكن في الوقت ذاته، شكّل الاجتياح الروسي خرقاً لمبدأ سيادة الدول على أراضيها، ولا تزال الحرب مستمرة، من دون حلّ، مع خسائر بشرية ومادية باهظة للطرفين، اللذين قفزا عن مبدأ التفاوض بسرعة لمصلحة خيار الحرب.
في العقد ونصف العقد الأخير، تحوّل الشرق الأوسط إلى جغرافيا ممتدة لصراع الفاعلين الكبار، لمنع الاصطدام المباشر في ما بينهم، واستخدام وكلاء محليين من حكومات ومنظمات عسكرية غير نظامية، لكونها ذات كلفة منخفضة، لكن هذا النمط من الحروب بالوكالة استنفد الكثير من ممكناته، ما فتح الباب أمام الخيار العسكري، من خلال شنّ إسرائيل الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحت ذريعة منع وصولها إلى مرحلة تصنيع السلاح النووي، وقد ساهمت الولايات المتحدة ودول غربية في دعم الدفاعات الجوية الإسرائيلية، وفي انخراط مباشر في الحرب كما فعلت الولايات المتحدة.
هذا المشهد، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ليس صراعاً بين دول إقليمية، وإنما هو في العمق صراع بين الفاعلين الكبار المؤسسين للأمم المتحدة، وقد انخرطوا جميعاً في عملية انتهاك واسعة النطاق وخطرة ضد المبادئ التي وقعوا عليها، وعملوا على تطويرها لعقود، وقد تحولوا من مؤتمنين على الأمن والسلم العالميين إلى مصادر تهديد لهاتين الغايتين، ما يجعل من المؤسسة الدولية غير ذات صدقية إلى حدّ كبير، لكن الأخطر هو أن يحدث انزلاق نحو حروب مباشرة بين الدول الكبرى، كانت مستبعدة، لكنها اليوم تصبح أحد السيناريوهات المحتملة، بعد أن انتهك من أخاطوا قماشة المبادئ الدولية الكبرى تلك القماشة ومزقوها بلا هوادة.