يسرا الحربي *

رغم تعدد مبادرات السلام في إفريقيا وتنوع رعاتها، لا تزال نتائجها الفعلية محدودة التأثير، خاصة حين يتعلق الأمر بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فغالبية الاتفاقيات، وإن نجحت في خفض مستوى العنف مرحلياً، فإنها نادراً ما تُفضي إلى تحول مستدام في بنية الدولة أو في الإدراك المجتمعي لمفهوم «الوضع الطبيعي»، ما يطرح تساؤلاً حول أسباب فشل معظم الاتفاقات في إرساء الاستقرار المطلوب، رغم الجهود المبذولة دولياً وإقليمياً؟

قد تكون الإجابة الأوضح هي: لأن ما يُراد استعادته، أي «المسار الاعتيادي»، لم يكن اعتيادياً من الأصل. فغالبية الدول الإفريقية الخارجة من النزاع لم تعرف أصلاً لحظة استقرار مؤسسي يُحتذى. بالتالي، فإن الاتفاقات التي تُوقّع من دون إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، سرعان ما تُختزل في وقف هش لإطلاق نار، لا أكثر.

ينطبق ذلك على حالات عديدة: من دارفور التي تجدد العنف فيها، متحدياً «اتفاق جوبا»، إلى إفريقيا الوسطى التي تتنازعها القوى بالوكالة رغم جهود بعثات السلام الأممية والإفريقية. ومن الكاميرون التي فشلت حكومتها في احتواء الهويات المهمّشة بالمناطق الناطقة بالإنجليزية، إلى مالي التي يزداد المشهد فيها تعقيداً رغم «اتفاق الجزائر». في كل تلك التجارب، يظهر نمط مألوف: (اتفاقات نخبوية مقابل مجتمعات غائبة أو مغيّبة).

في ذات الاتجاه، تقدم الكونغو الديمقراطية مثالاً بالغ الوضوح، عندما أعادت في يونيو(حزيران) 2025 تجريب «وصفة التسوية»، بدعم أمريكي مباشر، عندما وقّعت كينشاسا وكيجالي اتفاقاً يستهدف تهدئة العنف بشرق الكونغو، من خلال وقف إطلاق النار، وتفكيك الجماعات المسلحة، وتعزيز التعاون الاقتصادي، بجانب مبادرات لمراقبة تصدير الثروات وتسهيل حركة الاستثمار. ولكن قراءة متأنية لمضامين الاتفاق تُظهر إشكاليات معقدة تُقلل من فرص ترسيخ مشروع للسلام الشامل.

المعضلة الأولى تتمثل في عدم معالجة الاتفاق الجذور التاريخية المسؤولة عن نشأة وتصاعد النزاع، ومنها قضايا الهوية، والنزوح، والذاكرة الجماعية المرتبطة بالإبادة الجماعية في رواندا، والانقسامات العرقية والاتهامات المتبادلة بدعم المعارضة المسلحة. فهل يمكن الحديث عن تسوية حقيقية في ظل غياب معالجات واضحة لهذه الجوانب العميقة؟ وهل تكفي التعهدات الأمنية المتبادلة لتجاوز أزمة ثقة متجذرة بهذا المستوى؟

من جهة أخرى، برزت فجوات في تصميم آليات التنفيذ، إذ لم يتم إقرار جدول زمني محدد لتفكيك الجماعات المسلحة، ولا آليات واضحة لدمجها ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية. كما تفتقر لجنة الرقابة المشتركة إلى صلاحيات ملزمة، ما يشكك في قدرتها على ضمان الامتثال أو معالجة حالات الإخلال بالاتفاق. كما أن الاتفاق تجاهل المشاركة المباشرة لأطراف مسلحة غير حكومية، خاصة حركة «23 مارس»، ما قد يُبقيها خارج الإطار الرسمي للالتزام، ويزيد من احتمالية عرقلتها للاتفاق. فكيف يمكن ضمان تنفيذ اتفاق لا يشمل الأطراف التي تمارس التأثير الميداني الأكبر على الأرض؟

كذلك، فإنه برغم كثافة البعد الاقتصادي في الاتفاق، فإن الطموحات التنموية بدت أقرب إلى تسويق سياسي منها إلى تصور واقعي. فهل تكفي خطوط سكك حديدية ومناطق تجارة حرة، لإنهاء صراع إثني عابر للحدود؟ وهل يمكن فصل التعاون الاقتصادي عن مسألة الثقة، في منطقة لطالما ارتبط فيها الاستثمار بالاستغلال والنهب؟ ثم من يضمن ألا يتحوّل الاتفاق إلى بوابة جديدة لهيمنة الشركات الأجنبية، كما يخشى كثير من الكونغوليين؟ أما في ما يخص البعد الإنساني، فلم تتضمن الوثيقة خطة واضحة لجبر الضرر أو إنصاف الضحايا أو تفعيل آليات للعدالة الانتقالية. بل إن ملف اللاجئين والنازحين لم يُعالَج إلا ضمن إشارات عامة، من دون إطار رقابي يتابع عمليات العودة أو يقدم ضمانات قانونية للعائدين. أليس من الضروري، في أي تسوية تنشد الاستدامة، أن تكون المعالجة الحقوقية جزءاً أصيلاً من الاتفاق لا مكمّلاً ثانوياً له؟

هذه الاختلالات ليست جديدة، لكنها باتت متكررة بشكل يكشف عن نمط إقليمي: يتم اختزال الصراعات في أدواتها الأمنية، وتُترك دوافعها التاريخية والاجتماعية والثقافية بلا علاج، ما يحوّل كل اتفاق إلى هدنة مؤقتة، لا إلى مشروع وطني جديد.

وهذا ما يُعيدنا للسؤال الجوهري: لماذا تُفشل إفريقيا اتفاقاتها؟

ربما آن الأوان لتجاوز مقاربة «الاتفاق من أجل التهدئة» نحو تصور أكثر شمولاً يعيد تعريف غاية التسوية ذاتها. فالسلام، كي يكون مستداماً، لا يمكن اختزاله في تفاهمات رسمية بين أطراف حكومية، بل يتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدولة ومواطنيها، على أساس من العدالة، والمساءلة، والتمثيل المتوازن. ومن دون معالجة شاملة للهويات المهمّشة، وتفكيك البُنى المنتجة للعنف، وإشراك المجتمعات في صياغة ما يُسمى ب«الوضع الطبيعي»، ستظل الاتفاقيات مجرد أدوات لإدارة النزاعات لا لحلها.

هنا تبرز الحاجة إلى تغيير في منطق تصميم الاتفاقات ذاتها: من أدوات فنية إلى عمليات سياسية شاملة تُبنى من الداخل، وتُفعّل عبر مؤسسات قادرة، ومجتمعات ممكّنة، ودعم دولي يدرك أن الاستقرار لا يُمنح، بل يُبنى.

ففي إفريقيا، لا يكون السلام مستداماً حين يُبنى على تفاهمات النخب، بل حين يُعاد تأسيس العقد الاجتماعي من القاعدة، ويُمنح الصوت لمن عاشوا الحرب لا لمن وقّعوا على نهايتها فحسب.

[email protected]