كاثرين موغيرا*
رغم أن «وول ستريت» كانت واحدة من أبرز المستفيدين من حالة الفوضى، التي وسمت عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من تقلبات الحرب التجارية إلى التحولات المفاجئة في التحالفات والسياسات المُعلنة عبر تويتر، إلا أنها تعرف أيضاً متى تدق ناقوس الخطر.
فتلويح ترامب المتكرر بعزل جيروم باول، حتى بعد زيارته للبنك المركزي، الذي ثبّت الفائدة للمرة الخامسة على التوالي، ضارباً بعرض الحائط ضغوط الرئيس الأمريكي، ما هي إلا خطوة غير مسبوقة من شأنها تقويض واحد من معاقل الاستقرار المؤسساتي في واشنطن، لترد الأسواق بسرعة عبر ارتفاع عوائد السندات ومعها أحجام التداول لمستويات، لم تُسجل منذ الإعلان عن فرض الرسوم الجمركية المتبادلة في 2 إبريل/ نيسان، فيما أصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، المعروفة بقربها من الأوساط الجمهورية، تحذيراً مباشراً للرئيس، «لا تفعلها».
ترامب، كشف لبعض المشرعين الجمهوريين، أنه كتب بالفعل رسالة عزل باول، وربما يرسلها، ولم تنتظر الأسواق لتتأكد إن كان جاداً أم يراوغ، وسرعان ما بدأ المستثمرون بإعادة ترتيب مراكزهم، فباعوا السندات طويلة الأجل، واتجهوا نحو ديون قصيرة الأجل، وهو سلوك كلاسيكي، عندما تهتز الثقة في استقلالية الفيدرالي.
لاحقاً، خفف ترامب من لهجته قائلاً إنه لا ينوي عزل باول حالياً، لكن الضرر كان قد وقع بالفعل، فعلى الرغم من تراجع طفيف في عوائد السندات، ظل التشكيك سائداً: هل استقلالية الفيدرالي ما زالت قائمة فعلاً، أم إنها مهددة بضغط سياسي مباشر؟
بالطبع، لم تكن هذه المرة الأولى التي يختبر فيها ترامب ردّ فعل الأسواق بشأن باول، ففي إبريل، وصفه ب «المتأخر دائماً»، ولا يزال يصفه بذلك، ملمحاً إلى إمكانية عزله، قبل أن يتراجع. يومها ارتفعت الأسهم استجابة لذلك، لكن تكرار السيناريو ذاته هذه المرة، لم يكن له نفس التأثير، فالأسواق أصبحت أقل قابلية للتصديق، وأقرب إلى الحذر.
وما زاد من التوتر، هو ظهور تداول عملات مشبوهة التوقيت، الأمر الذي أثار شكوكاً حول احتمال وجود تسريبات داخل الإدارة نفسها، استغلها بعض المتداولين لتحقيق أرباح على حساب تقلبات السوق.
لم يكن الغضب هذه المرة مرتبطاً فقط باحتمال تغير أسعار الفائدة، بل بالخطر الأكبر المتمثل في تسييس مؤسسة من المفترض أن تبقى محايدة، وكما كتبت بعض الحسابات المتخصصة في تحليلات الأسواق: «ما حدث كان اختباراً واضحاً من الرئيس لرؤية رد فعل السوق، والجواب لم يكن مطمئناً».
حتى مجلس تحرير «وول ستريت جورنال»، انبرى للدفاع عن باول، محذراً من أن عزله سيقحم الفيدرالي، والإدارة، والأسواق في متاهات قانونية، لافتاً إلى أن الأخير يمكنه مقاضاة ترامب، وربما الفوز بالدعوى. ورغم أن المحكمة العليا منحت الرئيس سلطات أوسع، في ما يخص الهيئات الفيدرالية، فإن المركزي يظل استثناءً واضحاً في نظر القانون.
وأشارت الصحيفة بسخرية إلى أن محاولة البيت الأبيض البحث عن مبرر قانوني لعزل بأول، لأسباب وجيهة بسبب ما قيل عن سوء إدارة تكاليف تجديد مقر الفيدرالي، لا يعدو كونه «ذريعة سخيفة».
ومن المفارقات أن ترامب هو نفسه من عيّن باول، إلا أن الخلافات بينهما بدأت منذ سنوات، لكن هذه المرة، يبدو أن التدخل السياسي يهدد بتقويض الأسس، التي تعتمد عليها الأسواق نفسها، فالفيدرالي قد يتجه بالفعل لخفض أسعار الفائدة هذا العام، لكن أن يفعلها تماشياً مع رغبة الرئيس؟ هذا ما يسعى باول بكل وضوح لتجنبه.
إن الاحتياطي الفيدرالي لا يتحرك بناءً على ضغوط سياسية، بل على قراءة موضوعية للبيانات والمعطيات الاقتصادية، وأي تسييس لهذا الدور سيقوّض ليس فقط مكانة المؤسسة، بل قدرة الأسواق نفسها على الثقة في البيئة التنظيمية الأمريكية.
وكما قال ديفيد سولومون، الرئيس التنفيذي لمجموعة «غولدمان ساكس»: «أعتقد أن استقلالية البنك المركزي مسألة بالغة الأهمية، ويجب أن نقاتل للحفاظ عليها». أما جين فريزر، الرئيسة التنفيذية ل «سيتي بنك»، فأكدت أن استقلالية المؤسسة النقدية الأهم في العالم ضرورية لفعالية أسواق رأس المال ولقدرة الولايات المتحدة التنافسية.
ربما اعتادت «وول ستريت» على التقلبات، بل واستفادت منها، لكنها لن تتسامح مع كسر القواعد الأساسية التي تضمن استمرار اللعبة. وعزل باول أو مجرد التلويح بذلك، ليس مجرد جدل سياسي، بل زلزالٌ قد يهز الثقة بالنظام المالي الأمريكي نفسه.
*كاتبة وصحفية تغطي الشأن الاقتصادي