من قيود الأمس إلى فضاءات الريادة.. قصة كفاح «الإماراتية»

00:09 صباحا
قراءة 3 دقائق

فـي بدايات سنوات الاتحاد، كان صوت المرأة خافتاً، تحاصره القيود، وتكاد أحلامه تختنق بين جدران المجتمع. لم يكن الطريق معبّداً، بل زاخراً بالحواجز والتقاليد التي ترى في تعليم الفتاة رفاهية لا ضرورة، وفي عملها خروجاً عن المألوف. كانت الأسر تخشى نظرات الناس، وكانت الفتاة التي تحمل كتاباً في يدها أو تتحدث عن طموح يتجاوز جدران بيتها، تبدو وكأنها تخوض مغامرة ضد السائد.
في تلك السنوات، كان مجرد السماح بتعليم الفتيات انتصاراً يُنتزع من بين أفواه المعارضين والمترددين. كم من فتاة حلمت بمقعد في فصل دراسي ولم تنلْه، وكم من أمٍّ تمنت أن ترى ابنتها طبيبة أو معلمة، لكن المجتمع كان أكثر قسوة من الحلم. كانت المرأة تواجه نظرة دونية، وكأن دورها لا يتجاوز حدود البيت وخدمة الأسرة. ومع ذلك، ظلت بعض القلوب المؤمنة بالتغيير تنبض أملًا، وظل بعض الرجال والنساء يرون أن نهضة الوطن لا يمكن أن تكتمل إلا بالمرأة.
وسط هذا السياق الصعب، خرجت أسماء تحدّت الواقع وكسرته. الدكتورة أسماء سلطان المغيري، ابنة الإمارات التي لم تقبل أن تكون أسيرة القيود. درست طب الأسنان في القاهرة عام 1975، وعادت تحمل بين يديها شهادة علمية وحُلماً أكبر من أن يُحبس. لم تكتفِ بأن تكون طبيبة، بل اختارت أن تسلك درباً لم تطرقه أي امرأة من قبل: الالتحاق بالقوات المسلحة الإماراتية.
في عام 1976، ارتدت الزي العسكري، برتبة ملازم أول. كان ذلك القرار صادماً لكثيرين، كيف لامرأة عربية خليجية أن تختار ميادين الانضباط العسكري؟ لكن أسماء لم ترَ فــي ذلك إلا امتداداً لإيمانها بأن لا وظيفةَ حكرٌ على الرجال، وأن عقل المرأة وذراعها قادران على أن يكونا في الخطوط الأمامية لخدمة الوطن.
على مدى ثلاثين عاماً، خدمت في مستشفى زايد العسكري، حيث أسست أول عيادة للأسنان هناك. كان صبرها ومثابرتها، إلى جانب إنسانيتها في التعامل مع زملائها ومرضاها، علامة فارقة في مسيرتها. ارتقت إلى رتبة عميد، وتولت منصب نائب مدير الخدمات الطبية، ثم أصبحت مستشارة، لتكون بذلك نموذجاً ملهماً لأجيال كاملة من النساء الإماراتيات والعربيات. وفي عام 2014، وقفت بين يدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لتنال تكريم «أوائل الإمارات» بصفتها أول سيدة تلتحق بالعمل العسكري، وكأن ذلك التكريم كان شهادة تقدير لكفاح المرأة كلها، لا لإنجاز فرد واحد..
لكن، قصة الدكتورة أسماء لا يمكن فصلها عن القصة الكبرى للمرأة الإماراتية. فلولا رؤية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك حفظها الله، لما تبدلت الحال، ولما فُتحت الأبواب، ولما وجد الطموح طريقه إلى الضوء. أمّ الإمارات، بحكمتها وإصرارها، رأت منذ اللحظة الأولى أن تعليم المرأة هو المفتاح، وأن تمكينها ليس ترفاً بل ضرورة وطنية. كانت تؤمن أن الوطن لا يقوم بنصف أبنائه فقط، وأن النهضة الحقيقية لا تتحقق إلا إذا شاركت المرأة الرجل في بناء الصرح الجديد.
بفضل رؤيتها ودعمها، تحوّل التعليم إلى حق للمرأة، والعمل إلى مساحة مفتوحة أمامها، والتمكين إلى واقع ملموس. لم تعد المرأة الإماراتية محصورة في زوايا البيوت، بل أصبحت في قلب المؤسسات، في الجامعات، في المستشفيات، وفي ساحات القرار.
واليوم، حين ننظر إلى الإمارات، نرى المشهد مختلفاً تماماً. المرأة التي كان يُنظر إليهــا يومــاً بعين الشك والريبة، أصبحت وزيرة وقاضية وسفيرة وقائدة عسكرية. جلست على مقاعد البرلمان، وأدارت مؤسسات كبرى، وتقدمت الصفوف في مجالات العلم والتكنولوجيا والابتكار. أصبحت رمزاً للريادة العربية، ونموذجاً عالمياً يُحتذى به في تمكين المرأة.
إن قصة الدكتورة أسماء المغيري، التي بدأت كحُلم شخصي صعب، أصبحت اليوم جزءاً من قصة وطن كامل. قصة تقول إن المعاناة لم تذهب سُدى، وإن الجهد الذي بذلته الأجيال الأولى من النساء، بدعم القيادة الرشيدة ورؤية أم الإمارات، قد أثمر عن واقع يفتخر به كل إماراتي.
فالمرأة التي كانت تُمنع من مقعد في فصل دراسي، أصبحت اليوم تجلس على كرسي الوزارة. والفتاة التي كان يُقال لها إن مكانها في البيت، أصبحت اليوم تمثل الدولة في المحافل الدولية. وما بين الأمس واليوم، رحلة طويلة من الألم والكفاح، عنوانها الإيمان بأن المستحيل يمكن أن يتحقق إذا توافرت الإرادة، وبفضل رؤية سموّ الشيخة فاطمة بنت مبارك؛ فقد أصبحت المرأة الإماراتية اليوم شريكة حقيقية في بناء وطن، ووجهاً مشرقاً في مسيرة أمّة..

عن الكاتب

سفير الإمارات في ألمانيا وفرنسا والمندوب الدائم لدى منظمة اليونيسكو سابقاً، يشغل حالياً منصب الوكيل المساعد للسياسات في وزارة الدفاع
* حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"