د. عمرو منصور
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توصله لاتفاق مع إيران بوساطة باكستانية لتأجيل الهجوم على الجسور ومنشآت الطاقة لمدة أسبوعين مقابل فتح مضيق هرمز، فيما يبدو مقدمة لإنجاز الاتفاق الدائم لإنهاء الحرب في ظل تزايد الضغوط الداخلية والخارجية على كافة الأطراف.
هدنة اعتبرها ترامب، انتصاراً، ووجد فيها مجتبى خامنئي وجنرالاته منقذاً من السقوط، وتحمس العالم لها لإيقاف نزيف أسواق الطاقة، والتمس فيها المواطن الإيراني بقعة ضوء في نهاية نفق الحرب المظلم، تجنبه المزيد من الخراب للبنية التحتية لبلاده.
لكن من اللافت أن ترامب، استبق اتفاق الهدنة بتصعيد إعلامي وتحركات عسكرية ميدانية، وبينما كان يُتوقع صدور تهديدات مضادة بقصف الجسور الأمريكية، إذ بقادة طهران يهددون بإشعال المنطقة ويحرصون على تفجير جسور أخرى ظنوا أنها أسهل في الاستهداف وأقل كلفة ووطأة، وذلك بقصف جسور التعاطف التي أبدتها تجاه نظامهم قلة قليلة في العالمين العربي والإسلامي، ليست حباً فيه بقدر ما هي نكاية في الطرف الآخر للحرب، أو مدفوعة بعمى العصبية الطائفية.
النظام الإيراني أصر جوراً على المضي في سفك دماء المزيد من العرب والجنسيات الأخرى في هجمات همجية على المنشآت المدنية ومحطات الطاقة في الإمارات وقطر والسعودية والبحرين، كاسراً قلوب أسر الضحايا، وباثاً الحزن في نفوس الملايين، مثبتاً للجميع أنه كيان دموي فوضوي، وبإمكانه التفوق على واشنطن في حرب تفجير الجسور.
وما لا يعقله جنرالات الحرس الثوري، أنه بعيداً عن لوغاريتمات الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية التي لا يكترث لها المواطن العادي، فقائمة الضحايا من مواطني الدول الخليجية وضيوفهم من الوافدين باتت تتصدر واجهة الوعي الجمعي العربي والإسلامي، وصاروا قاسماً مشتركاً في الأحاديث اليومية داخل كل بيت وشارع عربي.
وكلما استعرت الحرب استحضرت العقول لا إرادياً صور هؤلاء الضحايا، فتتحول ذرات التعاطف مع طهران إلى جبال من الشماتة، والترقب إلى لامبالاة، ويصير التفكير في نهاية الحرب متلازماً مع التعلق بسلامة ملايين الأحبة في دول الخليج.
مهما كان قوة تأثير وسرديات المظلومية والنضال والتلاعب بعواطف الشعوب وإرث أوجعاها وخبث الإعلام الإيراني المؤدلج وأذرعه الإقليمية، فلن تستطيع أن تخترق مجدداً جداراً منيعاً من الحزن والرصيد المشترك للذكريات المؤلمة التي تسبب فيها هذا النظام، لتأتي الدموع النقية للمكلومين على ذويهم فتطهر تلك الشرذمة من القلوب المغيبة من دنس التعاطف مع دولة لم تصن حرمة الدماء ولم ترع حق الجار.
النظام الإيراني وإن نجت جسوره في الداخل من الضربات الأمريكية فجسوره في الخارج نسفتها جرائمه التي أوصدت في وجهه أبواب شعوب المنطقة، مقدماً بسوء فعله خدمة جليلة للوعي الجمعي العربي والإسلامي.
ومع انتهاء الحرب سيبقى وحده ذلك السؤال الخالد يطارد قادة طهران عن الضحايا من الآمنين في دول الخليج.. هذه الأنفس البريئة بأي ذنب قتلت؟.