«الكلمة الجيدة تساوي فَرساً مسرجة»، يقول رسول حمزاتوف، وفي مكان آخر من كتابه «داغستان بلدي» يقول: «الكلمة تحيا من دون ملابس ولا زينة».
تذكرت هاتين العبارتين لحمزاتوف، الشاعر والفارس والحكيم، وتذكرت فريد الدين العطار، الشاعر والفيلسوف وهو يقول: «الدرّ ما دام في القاع غير ممكن الثقب».
تذكرت الكثير من تراث العالم الفكري والفروسي والقيادي والإنساني، بعد قراءتي في جريدة «الخليج» لحلقات كتاب «علّمتني الحياة» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله. كتاب الكلمات السامية التي تساوي خيلاً وأفراساً وجياداً مسرجة، كتاب الحياة، والخبرة والتجربة بلغة رفيعة صديقة لا استعلاء فكرياً فيها، ولا مبالغة ثقافية ولا تعقيد أدبياً أو بلاغياً، ولذا، جاء الكتاب بلا زينة تماماً مثل شجرة غاف ترمز للقوة والصبر والحكمة، والكتاب أيضاً لؤلؤ كان في القاع، غاص إليه رجل بحر، وثقبه، وسوّى منه عقداً فريداً.
تعلّم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من الحياة، تعلّم من أبيه الشيخ الرائد المؤسس، الحليم الحكيم، المغفور له الشيخ راشد بن سعيد طيب الله ثراه، وتعلّم من 60 عاماً في موقع الفكر القيادي والتدبير اليومي القائم على الحدس والفراسة وقراءة أعماق الناس، وفن القيادة، بل فن تشكيل فرق العمل التي تختصر الوقت بالحركة والذكاء والانتماء. تعلّم سموّه مما وصفه ب «ثقافة احترام الوقت» وهو المفهوم الإنتاجي الاستثماري الذي صاغه بلغة سهلة من دون اللجوء إلى مصطلحات الخبراء، وتعلم سموّه من سباق الخيل، وكيف أن ثانية واحدة من الوقت قد تغيّر نتيجة السباق. تعلّم سموّه من الظواهر المرضية القاتلة للأفراد والمؤسسات، بل القاتلة للأوطان والشعوب مثل الحسد، والفساد، والضغينة، والغيرة.
قال سموّه وهو يثقب الدرّ: «أحمد الله الذي وهبني غنى في قلبي، ورضا في نفسي، وجمالاً في لساني ومنطقي وشعري ونثري»، ونحن، إذاً، سوف نتعلم ممّا تعلم الشيخ، الفارس، روح معنى التفاؤل، وانتماء شعبه لوطنه المثالي في نجاحات التنمية، والإدارة، والتنافس الأبيض الشريف.
تعلّم سموّه من الحياة، لكن ليست أية حياة. إنها حياة رجل لا يحب البطء والتأجيل والتثاؤب. صاحب السمو حاكم دبي لا يصحو من نومه عند الثالثة عصراً، ولا يخلط بين القيادة والتجارة، ويحب الماضي لكن لا يعيش فيه أو يتجمّد في معطياته.
خبرة 60 عاماً تصفّت قطرة قطرة في مختبر قيادي، وشاعر، ومفكر حكمٍ، ورجل دولة، كما هو رجل حياة لديه دائماً ميزان في حساسية الزئبق، وبوصلة في مثل رؤية عين زرقاء اليمامة، وأمامه سؤال موجز مكثف له إجابة واحدة: أن تكون الإمارات رقم واحد..
«علّمتني الحياة» تجربة حاكم، وأب، وجدّ، وإنسان. تجربة نتعلم منها كما قال سموّه: كُره الظلم والظلمة، والنفاق وأهله، والمدح والمدّاحين.
«السيف يتلف غمده» يقول جان جاك روسو، والقلم سيف الشيخ، مشرع في الشمس والهواء.
[email protected]