اختبار النظام الدولي في بحر الصين الجنوبي

00:03 صباحا
قراءة 4 دقائق

في قلب آسيا، وعلى مسرح بحر الصين الجنوبي، الذي يختزن مصالح اقتصادية وتجارية هائلة، يتكشّف اليوم أحد أهم فصول الصراع الدولي المعاصر. هذا البحر، الممتد على مساحة تقارب 3.5 مليون كيلومتر مربع، هو أحد الممرّات الاستراتيجية، حيث تعبره ثلث التجارة العالمية سنوياً، وقد تحوّل اليوم إلى ساحة اختبار للنظام الدولي الجديد، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة، وتتشابك رهانات الدول الإقليمية التي تحاول إيجاد موطئ قدم بين العملاقين المتصارعين.
تصاعدت التوترات في بحر الصين الجنوبي خلال الأشهر الأخيرة بوتيرة لافتة، ففي يونيو/حزيران الماضي، حدث اصطدام بين سفن تابعة لخفر السواحل الصيني وسفينة عسكرية للفلبين بالقرب من جرف سكاربورو، وهو حادث أعاد إلى الواجهة هشاشة الوضع القائم وخطر الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، وبعد حوالي الشهر من الحادث، أعلنت بكين إنشاء «محمية طبيعية وطنية» في سكاربورو، وهو إجراء وصفته مانيلا بالاستفزازي، واعتبرته محاولة لفرض سيادة بحكم الأمر الواقع تحت غطاء بيئي. الرد الفلبيني جاء سريعاً، عبر تكثيف الدوريات الجوية والبحرية، والاستعانة بالولايات المتحدة في مناورات عسكرية مشتركة شملت اليابان وأستراليا.
ما يضفي على هذه التطورات بعداً استثنائياً هو أنها تتجاوز حدود الخلاف الثنائي بين الصين والفلبين. فالمسألة في جوهرها ليست نزاعاً على شعاب مرجانية أو مناطق صيد، وإنما انعكاس مباشر للاحتدام الأمريكي الصيني على مستوى النظام الدولي برمّته، فالولايات المتحدة، التي رأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية نفسها ضامنة لحرية الملاحة في المحيطين الهادئ والهندي، تدرك أن أي تراجع أمام بكين في هذه الساحة سيُفسّر بوصفه بداية أفول نفوذها، وفي المقابل، تسعى الصين إلى إثبات أن مكانتها الدولية لم تعد مستمدة فقط من موقعها كثاني أكبر اقتصاد عالمي، لكن أيضاً من قدرتها على فرض حضورها العسكري والاستراتيجي، وإعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الحادي والعشرين..
منذ القرار التاريخي لمحكمة التحكيم في لاهاي عام 2016، الذي قضى بعدم قانونية «الخط ذي التسع نقاط» الذي تستند إليه الصين في مطالبتها بمعظم بحر الصين الجنوبي، كان من المتوقع أن تتراجع بكين أو على الأقل تُخفف من وتيرة توسعها. لكن ما حدث هو العكس تماماً. فقد استمرت الصين في بناء جزر اصطناعية، ونشرت عليها منصات رادار وأنظمة دفاع جوي، وعززت وجود خفر السواحل في نقاط التماس مع سفن الفلبين وفيتنام وماليزيا. وبذلك، أرادت بكين التأكيد على أن القانون الدولي لن يقف عائقاً أمام طموحاتها وخططها الاستراتيجية، والضرورية لمكانتها في النظام الدولي الجديد..
هذا السلوك الصيني لا ينفصل عن مساعيها لتثبيت نموذج جديد للعلاقات الدولية يقوم على مبدأ الندّية مع واشنطن، وعلى فكرة التعددية القطبية، التي من شأنها أن تنهي عقود الهيمنة الأمريكية. فالقيادة الصينية تدرك أن اختبار الإرادة الأمريكية في بحر الصين الجنوبي يمثّل مقدمة لمعرفة حدود النفوذ الأمريكي في مناطق أخرى، من تايوان إلى المحيط الهندي. لذلك، فإن كل خطوة تقوم بها بكين في البحر تُقرأ في واشنطن باعتبارها تحدياً مباشراً لمفهوم «حرية الملاحة»، الذي يشكّل ركناً أساسياً في النظام الدولي الحالي.
في المقابل، فإن الولايات المتحدة، منذ إعلانها استراتيجية «المحيطين الهندي والهادئ»، أثناء ولاية ترامب الأولى، ثم توسيعها في عهد بايدن، أصبحت أكثر التزاماً بتعزيز حضورها العسكري والسياسي في المنطقة، ولم تعد المناورات البحرية والجوية المشتركة مع الفلبين واليابان وأستراليا مجرد رسائل رمزية، وإنما آليات ردع عملية. وقد ذهبت واشنطن أبعد من ذلك عبر تفعيل اتفاقيات دفاعية مع مانيلا، تتيح استخدام قواعد عسكرية في الأراضي الفلبينية، ما اعتبرته الصين استفزازاً مباشراً. بهذا المعنى، فإن بحر الصين الجنوبي يتحوّل تدريجياً إلى خط تماس أول بين قوتين عظميين تتنازعان على صياغة قواعد النظام العالمي الجديد.
الاحتدام في بحر الصين الجنوبي يكشف عن أزمة أعمق في البنية الدولية. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تشكّل النظام الدولي حول قطبية واحدة تقودها الولايات المتحدة، مع قبول صيني روسي ضمني بتلك الهيمنة، مقابل الانخراط في الاقتصاد العالمي. لكن العقدين الأخيرين شهدا تحولات جذرية: فالصين أصبحت ثاني أكبر اقتصاد عالمي، متفوقة في قطاعات التكنولوجيا والتجارة والتمويل، فيما تراجع التفوق الأمريكي نسبياً بفعل أزماته الداخلية وحروبه الخارجية الطويلة، والعالم يشهد اليوم لحظة انتقالية، حيث لم يعد النظام الأحادي القطبية قادراً على الصمود، فيما لم يتبلور بعد نظام متعدّد الأقطاب مستقر، وبهذا المعنى، فإن بحر الصين الجنوبي هو مرآة لهذه المرحلة الانتقالية المضطربة.
هذا الصراع محكوم بثلاثة احتمالات، يتمثّل الأول منها في نجاح واشنطن وحلفاؤها في ردع الصين، وتثبيت قواعد النظام الدولي الحالي، ولو بشكل ناقص، والثاني هو أن تتمكّن الصين من فرض وقائع جديدة تدريجياً، ما يفتح الباب أمام نظام متعدد، أما الاحتمال الثالث والأخطر، فهو انزلاق نحو مواجهة عسكرية مفتوحة بين القوتين، ستشكّل كارثة على مجمل الاقتصاد العالمي والنظام الدولي كاملاً.
[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"