حين نتحدث عن الإرهاق، يتبادر إلى الذهن ضغط العمل، أو المهام الرسمية التي يمكن عدها وقياسها، لكن ما يثقل كاهلنا حقاً ليس دائماً ما يكتب في جداول المهام، بل تلك المسؤوليات الخفية التي ترافقنا بصمت، وتستهلك طاقتنا من دون أن ندرك. إنها التفاصيل الصغيرة التي لا يتحدث عنها أحد، تذكّر مواعيد العائلة، متابعة الأبناء، متابعة حاجيات المنزل، المبادرة بحل الخلافات، الاهتمام بالمشاعر قبل أن تنفجر، أو مجرد الحرص على أن يسير اليوم بسلاسة للجميع، هذه الأدوار لا تدون في السيرة الذاتية، ولا تقدر بالأغلب بعبارة شكر، لكنها حاضرة كجهد خفي يبتلع جهدنا العاطفي والعقلي.
الغريب أن الكثير من هذه المسؤوليات غير المرئية لا يختارها المرء بحرية، بل تلتصق به لأنه الأقدر عليها، أو الأكثر تنظيماً أو ما شابهه، حتى تصبح عادة متوقعة لا مفر منها، ومع مرور الوقت، يتحول هذا العبء إلى إرهاق مزمن، ليس جسدياً فقط، بل معنوياً أيضاً، لأن ما يؤدى في الظل نادراً ما يعترف به.
لكن تجاهل هذه الحقيقة يفاقم المشكلة، فالمسؤوليات الخفية ليست وهماً، بل جهداً حقيقياً تحتاج إلى توزيع واعتراف، الاعتراف لا يعني بالضرورة المدح العلني، بل قد يبدأ بمجرد وعي شخصي، أن نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا: أي أدوار أقوم بها في صمت؟ وأي منها يمكن أن يشارك فيه غيري؟ إن إعادة التوازن تبدأ من الوعي، ومن شجاعة الإفصاح وأن نقول «هذا يرهقني» من دون شعور بالذنب، وأن نتعلم طلب المساعدة كما نتقن تقديمها، فالاعتراف بالمسؤوليات الخفية لا يضعف العلاقات، بل يقويها، لأنه يكشف الحقيقة ويمنح فرصة للتعاون.
ما يرهق الشخص أحياناً ليس حجم المسؤوليات الظاهرة فحسب، بل تلك الأعباء التي نحملها في الداخل دون اسم أو تقدير، وعندما نميزها ونركز عليها بدلاً من إخفائها، نكتشف أن الراحة ليست في إنجاز المزيد، بل في مشاركة ما كان يثقلنا وحدنا.
تتعدد الشواهد والأمثلة، ومن بينها ما أشارت إليه عالمة الاجتماع الدكتورة أرلي رسل هوشيلد، عندما قالت: «معظمُ النساء يعملنَ نوبة أولى في المكتب أو المصنع، ثم نوبة ثانية في المنزل».
[email protected]
www.shaimaalmarzooqi.com