في كل بيت ومكان عمل، يطل سؤال، لماذا يصعب الحوار بين جيل وآخر؟ جيل يرى نفسه حارساً للتجربة والخبرة، وآخر يندفع بفضول وحماسة لا تعرف الحدود، فيصبح الاختلاف جداراً، بدلاً عن أن يكون جسراً، وغالباً ما يُختزل المشهد في صورة «فجوة أجيال»، حيث الكبير يتهم الصغير بالطيش والاندفاع، والصغير يرى الكبير متشبثاً بماضٍ لم يعد يصلح.
لكن لو تأملنا بعمق، سنكتشف أن ما نسميه «فجوة» ليس دوماً عائقاً، بل يمكن أن يكون مساحة خصبة للتعلم المتبادل، فغياب الحوار لا يعني بالضرورة استحالة الفهم، بل هو دعوة لإعادة النظر في أدوات التواصل، حين يصغي الكبير بلا أحكام مسبقة، وحين يتحدث الصغير بوعي لا باستخفاف، تبدأ اللغة المشتركة بينهما تتطور.
نرى في واقعنا اليومي أن كل طرف يقف جامداً في مكانه ليحمي موقفه، الكبير يروي قصصاً من «زمن أجمل»، والصغير يهرب إلى عالمه الرقمي، والنتيجة عجز متبادل عن الفهم، حياتنا تصبح أكثر فقراً حين نغلق هذا الباب، لأن الأجيال بلا حوار تفقد الحكمة من جهة، والحيوية من جهة أخرى.
ما نحتاجه ليس فقط منصات رسمية، بل لحظات بسيطة، جلسة عائلية بلا هواتف، نقاش مفتوح في العمل، أو حتى مشاركة قصة شخصية على مائدة الطعام، هذه المساحات الصغيرة تصنع تراكماً، وتعيد الثقة التي تذيب جليد الصمت.
يجب أن نعلم أن غياب الحوار بين الأجيال ليس حكماً بالفشل، بل فرصة لنتعلم الإصغاء بعيون جديدة، ولنكتشف أن الزمن لا يقسمنا إلى «قديم» و«حديث»، بل يمنحنا روافد متعددة تصب في نهر واحد، حين نجرؤ على الاستماع بصدق، نكتشف أن الفجوة لم تكن إلا وهماً، وأن المستقبل لا يبنى إلا بتكاتف الذاكرة مع الخيال.
الكتاب والمؤلف الراحل جورج أورويل، وهو الاسم الأدبي للكاتب والصحفي البريطاني إريك آرثر بلير، تحدث عن هذا الجانب والمفارقة بين الأجيال، منذ وقت مبكر، حيث ولد عام 1903 وتوفي عام 1950 وهذا يبين أن هذه الحالة وهي المفارقة بين الأجيال، ماثلة منذ عصور وحقب زمنية مختلفة في تاريخ البشرية، يقول المؤلف جورج أورويل: «كلُّ جيلٍ يتوهَّم أنّه أذكى من الجيل الذي سبقه، وأحكمُ من الجيل الذي يليه».
[email protected]
www.shaimaalmarzooqi.com