في العادة يتم النظر إلى الثروة في جوانب معروفة ومحددة، وتقاس بمؤشرات مادية، مثل حجم النقد، الأصول، السندات، العقارات...إلخ. إلا أن هناك مورداً وأصلاً مهماً جداً وحساساً، وهو في اللحظة نفسها سريع التآكل والكثيرون يفقدونه دون أن يتم رصد خسائرهم فيه، وفي اللحظة نفسها هو لا يقبل الاسترجاع، ولا التعويض، ولا التخزين، إنه الوقت، الذي يعتبر أصلاً اقتصادياً كبيراً ومهماً جداً، يمس الأفراد والمجتمعات، مثلما هو مهم للدول والمنظمات والمؤسسات.
جميعنا ندرك أننا نمتلك أصولاً متنوعة وهي قابلة للتعويض، على سبيل المثال، المال يمكننا الحصول عليه حتى بعد خسارته، والعلاقات مع الآخرين نستطيع تعويضها لو قدر وقرر أحدهم الابتعاد عنا، لكن الوقت يبقى ذا خاصية وميزة فريدة، كونه مورداً عديم التجدد، وكأنه يسير في اتجاه واحد، كل ثانية تمضي هي في الحقيقة جزء من كياننا ينتهي، ولا سبيل للتعويض.
والمشكلة الحقيقية أن هناك الكثير من الأسباب التي تدفعنا لممارسة هدر الوقت وفقده، ومع أن هذه الأسباب بعضها خارجي ولا نملك رفضه أو الحد منه، إلا أن هناك أسباباً تتعلق بكل واحد منا، ونحن الذين نهدر الكثير من الوقت بمحض إرادتنا وقرارنا، ووفق ما نراه، دون أي تأثير خارجي، بل قد يكون العامل الذاتي في هدرنا للوقت الثمين، هو أكبر وأوسع من أي عوامل خارجية.
على سبيل المثال، عادة التسويف والتأجيل التي يعانيها البعض، وهي العادة المزمنة والضاربة العمق في الزمن، ولا ننسى الوافد الجديد والمؤثر الكبير، ما يسمى بالتشتت الرقمي، مع بقاء المعارك الهامشية التي لا فائدة من ورائها، وغيرها من المسببات التي لا تخفى عليكم.
وهناك أنواع متعددة لخسارة الوقت، لكن لعل أخطرها هي تلك التي تعطي الفرد وهم أنه منشغل وأنه ينجز بينما لا يوجد أي إنجاز يقدمه، تمضي الأيام والشهور والعام وراء الآخر، وهو يشعر بأنه يبذل الجهد ويستنزف الوقت وأن لديه مهام كثيرة ومتنوعة، لكنه في الحقيقة يركض في دائرة مفرغة لا يتقدم نحو أي هدف حقيقي.
يبقى الوقت هو الأصل الأهم في مسيرتنا الحياتية، وهو الذي من المهم فعلاً أن نحسن استثماره واستغلاله، ونتعامل معه بما يستحق من الاهتمام والحرص، لذا من المهم التدرب على المحافظة عليه، والإعلاء من قيمته، والبدء فعلاً بالتعامل معه تماماً كما نتعامل مع المال والأصول المادية الأخرى.
