علاء الدين محمود
انتشر في الفترة الأخيرة وبكثرة، مصطلح النشر الذاتي وهي العملية التي يقوم فيها الكاتب بنشر أعماله، سواء كانت كتباً أو محتوى رقمياً آخر، بنفسه وعلى نفقته الخاصة، من دون الاعتماد على دور النشر التقليدية، إذ يسيطر الكاتب على جميع مراحل عملية النشر، وحتى التسويق والتوزيع، ووجدت تلك العملية بالفعل قبولاً كبيراً خاصة وسط المؤلفين الشباب حيث أتاحت شركات مثل «أمازون»، و«كتب غوغل» للمؤلفين، فرصة نشر كتبهم بأنفسهم.
إذ كانت دور النشر تمثل عقبة أمام طباعة المؤلفات بالنسبة للكتّاب، خاصة الجدد، فهل يعتبر النشر الذاتي هو البديل المأمول؟ وهل يمكن أن تتم هذه العملية من دون أن تكون هناك فوضى حقيقية، من حيث إغراق المجال المعرفي بالكتب التي تتضمن معلومات وأفكاراً ومعارف زائفة ومضللة؟ حيث يتم نشر المحتوى من دون وجود جهة رسمية أو تحريرية تراجع صحته، أو تلتزم بمعايير مهنية، وربما تعبر هذه التساؤلات بالفعل عن قلق البعض، خاصة بعد الانتشار الكبير لمنصات تروج للنشر الذاتي، وتدعو المؤلفين وغيرهم إلى خوض التجربة عبر إعلانات بأسلوبية جذابة مثل «انشر كتابك».
ولعل تلك الجملة «انشر كتابك»، التي تنتشر بكثرة في مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب أنها تحمل قدراً من التشجيع، فهي تبرز وكأنها تمثل بداية حقبة جديدة يتم فيها الإعلان عن الانعتاق من سلطة الناشر الذي طالما هيمن على عملية النشر والطباعة ويمارس الإقصاء والتهميش للنصوص التي لا يريدها ولا يجزم بأنها ستدر عليه ربحاً.
لكن بالمقابل ألا تعتبر دور النشر هي الحارس الأمين بالنسبة للقيم المعرفية وحماية الساحة الثقافية والإبداعية والعلمية من أن تقع في الابتذال والإسفاف والمعلومات غير المحققة، خاصة أن هذه الدور، رغم سلبياتها، ظلت تمثل حاجزاً يحول دون أن تتسرب المؤلفات التي تتوافر فيها على الأقل أدنى درجات الأمانة والدقة المعرفية؟ والواقع أن هذه الظاهرة الجديدة وجدت جدلاً كبيراً بين جمهور الكتاب والقراء على السواء، حيث إنها تفتح المجال للنشر لكتّاب غير معروفين، وربما لا يتصفون بالكفاءة والجدارة، حيث تنشر مؤلفاتهم بعيداً عن أية رقابة.
في السابق كانت ظاهرة قريبة موجودة، حيث نشر العديد من الكتّاب أعمالهم على نفقتهم الخاصة، لكن كان معظمهم من الشخصيات الأدبية المعروفة إذ كان الرأسمال الحقيقي في تلك العملية هو اسم الكاتب، لكن حالة النشر الذاتي بالمعنى الراهن ستكون هدفاً لأسماء مجهولة.