في العادة، نحسب أن أجمل الأيام هي الأكثر متعة، وأن الأقسى هي تلك التي اعتراها ألم، لكن ذاكرة الإنسان لا تسجل الشريط كاملاً كما هو، بل تنتقي منه لقطتين حاكمتين ثم تبني عليهما الحكم النهائي: لحظة الذروة، ولحظة النهاية. هذه هي خلاصة ما يعرف في علم النفس بقاعدة «الذروة والنهاية»، وهي تفسر لماذا قد نتذكر رحلة قصيرة على أنها أروع من رحلة أطول، فقط لأنها بلغت ذروة بهجة أعلى وانتهت بلحظة قصيرة، ولماذا قد تبقى في أذهاننا صورة سيئة لحدث ممتد رغم أن معظم وقته كان عادياً، لأن نهايته تعثرت أو بلغ ذروته في توتر مرتفع.
نحن لا نحكم على التجربة بمتوسط دقائقها بل على شكل «الذروة والنهاية»، ولهذا يتناقض أحياناً ما عشناه لحظة بلحظة مع ما نتذكره لاحقاً حين نقص الحكاية على أنفسنا والآخرين.
قد يبدو هذا حدساً، لكنه مدعوم بتجارب. في دراسة منشورة في مجلة «العلوم النفسية» عام 1993 للباحثين دانيال كانيمان وباربارا فريدريكسون وتشارلز شرايبر ودونالد ريدلميير، طلب من المشاركين خوض تجربتين مزعجتين متقاربتين في الشدة: الأولى أقصر زمناً وتنتهي نهاية مزعجة، والثانية أطول زمناً لكن نهايتها ألطف.
بصورة تخالف منطق يتبعه بعض الناس «الألم الأقل أفضل»، فضل كثير من المشاركين إعادة التجربة الأطول لأن نهايتها كانت ألطف، مع أن مجموع الإزعاج فيها أكبر. ما سجلته الذاكرة لم يكن كل التجربة، بل قمتها ونهايتها، أي أن تحسن النهاية أعاد تلوين التجربة كاملة في الذهن.
لا تقول لنا قاعدة «الذروة والنهاية» أن نلاحق الكمال، بل أن ندير ما نستطيع التحكم فيه، مثل نهاية متأنية تحسن ترتيب الفوضى الصغيرة. لسنا مجبرين على إطالة كل تجربة لنزيد جودتها في الذكرى، بل على تحسين كيف تبلغ قمتها وكيف تسدل ستارها. حين نفكر في يومنا كمشهد مثلاً، ليس كخط زمني مسطح، سنمنح أنفسنا ميزة التحكم فيما سنتذكره لاحقاً، وهو لمسة نهاية مرتبة، لأن ما سنحمله معنا ليس كل ما حدث حرفياً، بل القمة التي اختبرناها والخاتمة التي صنعناها نحن.
قاعدة الذروة والنهاية
12 أكتوبر 2025 00:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
12 أكتوبر 00:07 2025
شارك