جاسم محمد الطنيجي*
في ظلّ التحولات الرقمية المتسارعة، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في أنماط العمل التقليدية، فالموضوع لم يعد محصوراً بساعات الدوام، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة الحياة والكفاءة الاقتصادية، والاستدامة الاجتماعية، في ظل «عام المجتمع 2025»، وهي المبادرة الوطنية التي أطلقتها دولة الإمارات العربية المتحدة، بهدف تعزيز التلاحم المجتمعي، ودعم الروابط الأسرية، وتمكين الأفراد، عبر مجموعة من الفعاليات والبرامج الهادفة لتعزيز قيم التعاون والانتماء والمسؤولية المجتمعية تحت شعار «يداً بيد»..
سبق أن تناولت في مقالي المنشور في «الخليج الاقتصادي» قضية ساعات العمل وتحوّل الذروة إلى الصباح، واليوم أُكمل المسار بمقترح العمل المرن كخيار استراتيجي عام، ينطوي على أبعاد اقتصادية واجتماعية عميقة.
لقد أثبتت الدراسات أن ذروة الإنجاز والإنتاجية تُسجَّل عادة في النصف الأول من اليوم، بينما ينخفض مستوى الأداء بعد الظهيرة، في الوقت الذي تبقى فيه الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي قادرة على إدارة الخدمات بكفاءة على مدار ال 24 ساعة.
كما أن الازدحامات المرورية اليومية تستنزف وقت الموظفين، وتؤثر سلباً في صحتهم وجودة حياتهم، ما يجعل إعادة هيكلة أنماط العمل خطوة ضرورية لتعزيز الكفاءة وتحقيق التوازن.
وشهدنا محلياً تجارب مهمة تؤكد جدوى هذا التوجه، ففي دبي أطلقت حكومة الإمارة مبادرة «صيفنا مرن»، التي منحت الموظفين خيارات متعددة للدوام الصيفي، وأدت إلى ارتفاع في الإنتاجية ورضا الموظفين بنسبة قاربت 98%.
وفي عجمان، اعتمدت الحكومة سياسة صيفية مخففة حددت الدوام من الاثنين إلى الخميس حتى الساعة 2:30 ظهراً، مع تخصيص يوم الجمعة للعمل عن بُعد، وهو ما يعكس مرونة حقيقية في التكيف مع متطلبات الموظف والمجتمع.
وعلى الصعيد العالمي، أثبتت تجارب، مثل الأسبوع القصير (4 أيام عمل) في آيسلندا وبريطانيا، أن تقليص ساعات العمل لا يعني خفض الإنتاجية، بل العكس تماماً، حيث ارتفع الأداء وتحسّن التوازن بين العمل والحياة، كما اعتمدت شركات كبرى في اليابان وكندا أنماط العمل الهجين، ما عزز الابتكار وحفّز الموظفين على تقديم الأفضل.
إن العمل المرن ليس مجرد خيار إداري بل استثماراً اقتصادياً واجتماعياً، فهو يقلل من الازدحام المروري والانبعاثات الكربونية، ويمنح الموظف وقتاً لممارسة الأنشطة الصحية والتطوير الذاتي، ويرفع مستوى الرضا والسعادة، مما ينعكس على الكفاءة المؤسسية والاقتصاد الوطني.
ومع رؤية الإمارات 2030، فإن تبني هذا النموذج بشكل أوسع، يمكن أن يكون خطوة فارقة نحو مجتمع أكثر توازناً واقتصاد أكثر تنافسية.
اليوم نحن أمام فرصة لإطلاق دراسات وملتقيات محلية وعالمية لأفضل التطبيقات، حول مستقبل أنماط العمل، بحثاً عن المعادلة الذهبية التي نطمح إليها:
إنتاجية أعلى – صحة أفضل – ازدحام أقل – سعادة أكبر.
*خبير ومتخصص في إدارة الموارد البشرية