جاسم محمد الطنيجي *

إن التحول الجاري في بيئة العمل اليوم ليس مجرد تحديث إداري، بل امتداد لمسار يستشرف المستقبل حول جودة الحياة المؤسسية، حيث إن التجارب اثبتت أن بيئة العمل تلعب دوراً كبيراً جداً في تمكين الموظف نحو الإبداع والتميز والابتكار.

سبق أن تناولت في مقاليَّ السابقين في الخليج الاقتصادي موضوعي: «ساعات العمل بين الواقع والتحول الرقمي» و«العمل المرن خيار استراتيجي للمستقبل»، واللذين تناولا التحول في مفهوم العمل والإنتاجية في ظل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. واليوم أُكمل المسار من منظور أوسع، أراه محورياً في المرحلة المقبلة، وهو الانتقال من التفكير في «عدد الساعات» إلى التفكير في «جودة التجربة المؤسسية»، أي كيف نخلق بيئة عمل تجعل السعادة طريقاً للإنجاز، لا مكافأة له.

التحولات الكبرى في بيئة العمل

لم تعد بيئة العمل الحديثة، كما كانت قبل عقد من الزمن، إذ غيّر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة.

فأصبح الإنجاز مرتبطاً بالإبداع والمرونة، لا بالحضور المادي أو التوقيع الصباحي.

الموظف اليوم لا يبحث عن وظيفة تؤمن له الراتب فقط، بل عن بيئة تلهمه، وتمنحه الثقة، وتمكّنه من الإبداع.

كما أصبحت القيادة الحديثة أكثر تمكينًا وأقل رقابة، لتتحول من قيادة إدارية إلى قيادة إنسانية تعنى بالتحفيز والتمكين قبل التوجيه والمحاسبة.

التحول الحقيقي لا يكمن في الأنظمة الإلكترونية أو التطبيقات الذكية، بل في العقلية التي تديرها، في ثقافة مؤسسية تتبنّى التغيير وتؤمن بأن الإنسان هو مركز التطور وليس ضحيته.

نحو جودة حياة مؤسسية شاملة

مفهوم جودة الحياة المؤسسية لم يعد ترفاً تنظيمياً، بل أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية. فالإنسان السعيد أكثر التزاماً، والموظف المتوازن أكثر إنتاجاً.

وتتجسد جودة الحياة المؤسسية في بيئة عمل تمنح الفرد التوازن بين حياته المهنية والشخصية، وتوفر له الرعاية النفسية والبدنية، وتحفّزه على التعلم والتطور، وتجعله جزءًا من قصة نجاح المؤسسة لا مجرد رقم في قوائمها.

هذه الرؤية تعكس نهج صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي أكد منذ أكثر من ربع قرن أن «الإنسان قبل المكان».

ففي نوفمبر عام 1998، أطلقت شرطة دبي برنامجاً بالاسم نفسه، مستلهماً من توجيهات سموه عندما كان ولي عهد دبي ووزير الدفاع ورئيس الشرطة والأمن العام.

جاءت العبارة في حديثه الإعلامي أثناء افتتاح برنامج «العناية هي الغاية» في مطار دبي الدولي، حيث قال:»هدفنا هو الارتقاء بمستوى الإنسان، فهو محور التنمية... الجودة يجب أن تكون ممارسة في الحياة الاعتيادية بدولة الإمارات».

ذلك البرنامج ركّز على الارتقاء بالعنصر البشري في الخدمات الأمنية وتحسين بيئة العمل للموظفين والاهتمام بالمتعاملين باعتبارهم جزءاً من منظومة الجودة.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه العبارة منهجاً إدارياً وإنسانياً يترجم فلسفة القيادة الإماراتية في بناء الإنسان قبل المكان، وهو ما ينسجم تماماً مع الرؤية الحديثة لجودة الحياة المؤسسية.

ملامح المستقبل في العمل أصبحت تتضح من خلال:

1 - المرونة كمعيار وطني: أنظمة عمل ذكية تراعي طبيعة المهام ومواسم الإنتاج، كما رأينا في مبادرة «صيفنا مرن» بدبي وسياسات العمل الصيفي في عجمان.

2 - التكامل بين الإنسان والآلة: الذكاء الاصطناعي شريك في الإنجاز لا بديل عن الكفاءات البشرية.

3 - قياس الأداء بالإنتاجية لا بالساعات: نجاح المؤسسة يُقاس بالأثر، لا بعدد الحضور.

4 - تعزيز الصحة المؤسسية: الصالات الرياضية والأنشطة الصحية جزء من الدوام، لا خارج حدوده.

5 - بيئة رقمية بلا بيروقراطية: تفويض ذكي، قرارات أسرع، ومسؤوليات أوضح.

6 - ثقافة الابتكار والتمكين: الموظف ليس منفذاً للقرارات، بل صانع للحلول.

هذه الملامح تمثل خريطة طريق لمستقبل العمل الفريد من نوعة الذي يتناسب مع التحديات المستقبلية، حيث تلتقي المرونة مع الإنتاجية، والإنسانية مع التقنية، في انسجام يعكس روح التكامل والتناغم المشترك.

الرؤية نحو المستقبل

تسير المؤسسات بثقة نحو نموذج عمل مستدام يوازن بين الإنتاجية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي، ويجعل من جودة الحياة المؤسسية محوراً للتميز والابتكار.

فالمستقبل يتطلب إدارة ذكية للوقت والطاقات، تعتمد على النتائج لا الساعات، وعلى التمكين لا الرقابة، وعلى الثقة لا الإجراءات.

إننا اليوم أمام مرحلة جديدة عنوانها:

من ساعات العمل إلى جودة الحياة المؤسسية... الإنسان قبل المكان.

فالمعادلة الناجحة ليست في زيادة الوقت، بل في رفع القيمة.

فالغاية ليست ساعات أطول... بل بيئة عمل أفضل وجودة حياة مؤسسية مستدامة.

إن المعادلة الذهبية التي نسعى إليها واضحة:

إنتاجية أعلى – صحة أفضل – ازدحام أقل – وسعادة أكبر.

تلك هي الرسالة الخالدة التي تُلهمنا لنستمر في بناء مؤسسات تجعل الإنسان غاية التنمية لا وسيلتها، وتحوّل بيئة العمل من مجرد مكانٍ للوظيفة إلى منصةٍ للحياة والإبداع والعطاء الوطني.

* باحث وخبير ومتخصص في إدارة الموارد البشرية