صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
جاسم محمد الطنيجي
خبير ومتخصص في إدارة الموارد البشرية
أحدث مقالات جاسم محمد الطنيجي
18 يناير 2026
الإنسان قبل المكان

جاسم محمد الطنيجي *

إن التحول الجاري في بيئة العمل اليوم ليس مجرد تحديث إداري، بل امتداد لمسار يستشرف المستقبل حول جودة الحياة المؤسسية، حيث إن التجارب اثبتت أن بيئة العمل تلعب دوراً كبيراً جداً في تمكين الموظف نحو الإبداع والتميز والابتكار.

سبق أن تناولت في مقاليَّ السابقين في الخليج الاقتصادي موضوعي: «ساعات العمل بين الواقع والتحول الرقمي» و«العمل المرن خيار استراتيجي للمستقبل»، واللذين تناولا التحول في مفهوم العمل والإنتاجية في ظل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. واليوم أُكمل المسار من منظور أوسع، أراه محورياً في المرحلة المقبلة، وهو الانتقال من التفكير في «عدد الساعات» إلى التفكير في «جودة التجربة المؤسسية»، أي كيف نخلق بيئة عمل تجعل السعادة طريقاً للإنجاز، لا مكافأة له.

التحولات الكبرى في بيئة العمل

لم تعد بيئة العمل الحديثة، كما كانت قبل عقد من الزمن، إذ غيّر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة.

فأصبح الإنجاز مرتبطاً بالإبداع والمرونة، لا بالحضور المادي أو التوقيع الصباحي.

الموظف اليوم لا يبحث عن وظيفة تؤمن له الراتب فقط، بل عن بيئة تلهمه، وتمنحه الثقة، وتمكّنه من الإبداع.

كما أصبحت القيادة الحديثة أكثر تمكينًا وأقل رقابة، لتتحول من قيادة إدارية إلى قيادة إنسانية تعنى بالتحفيز والتمكين قبل التوجيه والمحاسبة.

التحول الحقيقي لا يكمن في الأنظمة الإلكترونية أو التطبيقات الذكية، بل في العقلية التي تديرها، في ثقافة مؤسسية تتبنّى التغيير وتؤمن بأن الإنسان هو مركز التطور وليس ضحيته.

نحو جودة حياة مؤسسية شاملة

مفهوم جودة الحياة المؤسسية لم يعد ترفاً تنظيمياً، بل أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية. فالإنسان السعيد أكثر التزاماً، والموظف المتوازن أكثر إنتاجاً.

وتتجسد جودة الحياة المؤسسية في بيئة عمل تمنح الفرد التوازن بين حياته المهنية والشخصية، وتوفر له الرعاية النفسية والبدنية، وتحفّزه على التعلم والتطور، وتجعله جزءًا من قصة نجاح المؤسسة لا مجرد رقم في قوائمها.

هذه الرؤية تعكس نهج صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي أكد منذ أكثر من ربع قرن أن «الإنسان قبل المكان».

ففي نوفمبر عام 1998، أطلقت شرطة دبي برنامجاً بالاسم نفسه، مستلهماً من توجيهات سموه عندما كان ولي عهد دبي ووزير الدفاع ورئيس الشرطة والأمن العام.

جاءت العبارة في حديثه الإعلامي أثناء افتتاح برنامج «العناية هي الغاية» في مطار دبي الدولي، حيث قال:»هدفنا هو الارتقاء بمستوى الإنسان، فهو محور التنمية... الجودة يجب أن تكون ممارسة في الحياة الاعتيادية بدولة الإمارات».

ذلك البرنامج ركّز على الارتقاء بالعنصر البشري في الخدمات الأمنية وتحسين بيئة العمل للموظفين والاهتمام بالمتعاملين باعتبارهم جزءاً من منظومة الجودة.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه العبارة منهجاً إدارياً وإنسانياً يترجم فلسفة القيادة الإماراتية في بناء الإنسان قبل المكان، وهو ما ينسجم تماماً مع الرؤية الحديثة لجودة الحياة المؤسسية.

ملامح المستقبل في العمل أصبحت تتضح من خلال:

1 - المرونة كمعيار وطني: أنظمة عمل ذكية تراعي طبيعة المهام ومواسم الإنتاج، كما رأينا في مبادرة «صيفنا مرن» بدبي وسياسات العمل الصيفي في عجمان.

2 - التكامل بين الإنسان والآلة: الذكاء الاصطناعي شريك في الإنجاز لا بديل عن الكفاءات البشرية.

3 - قياس الأداء بالإنتاجية لا بالساعات: نجاح المؤسسة يُقاس بالأثر، لا بعدد الحضور.

4 - تعزيز الصحة المؤسسية: الصالات الرياضية والأنشطة الصحية جزء من الدوام، لا خارج حدوده.

5 - بيئة رقمية بلا بيروقراطية: تفويض ذكي، قرارات أسرع، ومسؤوليات أوضح.

6 - ثقافة الابتكار والتمكين: الموظف ليس منفذاً للقرارات، بل صانع للحلول.

هذه الملامح تمثل خريطة طريق لمستقبل العمل الفريد من نوعة الذي يتناسب مع التحديات المستقبلية، حيث تلتقي المرونة مع الإنتاجية، والإنسانية مع التقنية، في انسجام يعكس روح التكامل والتناغم المشترك.

الرؤية نحو المستقبل

تسير المؤسسات بثقة نحو نموذج عمل مستدام يوازن بين الإنتاجية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي، ويجعل من جودة الحياة المؤسسية محوراً للتميز والابتكار.

فالمستقبل يتطلب إدارة ذكية للوقت والطاقات، تعتمد على النتائج لا الساعات، وعلى التمكين لا الرقابة، وعلى الثقة لا الإجراءات.

إننا اليوم أمام مرحلة جديدة عنوانها:

من ساعات العمل إلى جودة الحياة المؤسسية... الإنسان قبل المكان.

فالمعادلة الناجحة ليست في زيادة الوقت، بل في رفع القيمة.

فالغاية ليست ساعات أطول... بل بيئة عمل أفضل وجودة حياة مؤسسية مستدامة.

إن المعادلة الذهبية التي نسعى إليها واضحة:

إنتاجية أعلى – صحة أفضل – ازدحام أقل – وسعادة أكبر.

تلك هي الرسالة الخالدة التي تُلهمنا لنستمر في بناء مؤسسات تجعل الإنسان غاية التنمية لا وسيلتها، وتحوّل بيئة العمل من مجرد مكانٍ للوظيفة إلى منصةٍ للحياة والإبداع والعطاء الوطني.

* باحث وخبير ومتخصص في إدارة الموارد البشرية

14 أكتوبر 2025
العمل المرن خيار استراتيجي للمستقبل

جاسم محمد الطنيجي*

في ظلّ التحولات الرقمية المتسارعة، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في أنماط العمل التقليدية، فالموضوع لم يعد محصوراً بساعات الدوام، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة الحياة والكفاءة الاقتصادية، والاستدامة الاجتماعية، في ظل «عام المجتمع 2025»، وهي المبادرة الوطنية التي أطلقتها دولة الإمارات العربية المتحدة، بهدف تعزيز التلاحم المجتمعي، ودعم الروابط الأسرية، وتمكين الأفراد، عبر مجموعة من الفعاليات والبرامج الهادفة لتعزيز قيم التعاون والانتماء والمسؤولية المجتمعية تحت شعار «يداً بيد»..
سبق أن تناولت في مقالي المنشور في «الخليج الاقتصادي» قضية ساعات العمل وتحوّل الذروة إلى الصباح، واليوم أُكمل المسار بمقترح العمل المرن كخيار استراتيجي عام، ينطوي على أبعاد اقتصادية واجتماعية عميقة.
لقد أثبتت الدراسات أن ذروة الإنجاز والإنتاجية تُسجَّل عادة في النصف الأول من اليوم، بينما ينخفض مستوى الأداء بعد الظهيرة، في الوقت الذي تبقى فيه الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي قادرة على إدارة الخدمات بكفاءة على مدار ال 24 ساعة.
كما أن الازدحامات المرورية اليومية تستنزف وقت الموظفين، وتؤثر سلباً في صحتهم وجودة حياتهم، ما يجعل إعادة هيكلة أنماط العمل خطوة ضرورية لتعزيز الكفاءة وتحقيق التوازن.
وشهدنا محلياً تجارب مهمة تؤكد جدوى هذا التوجه، ففي دبي أطلقت حكومة الإمارة مبادرة «صيفنا مرن»، التي منحت الموظفين خيارات متعددة للدوام الصيفي، وأدت إلى ارتفاع في الإنتاجية ورضا الموظفين بنسبة قاربت 98%.
وفي عجمان، اعتمدت الحكومة سياسة صيفية مخففة حددت الدوام من الاثنين إلى الخميس حتى الساعة 2:30 ظهراً، مع تخصيص يوم الجمعة للعمل عن بُعد، وهو ما يعكس مرونة حقيقية في التكيف مع متطلبات الموظف والمجتمع.
وعلى الصعيد العالمي، أثبتت تجارب، مثل الأسبوع القصير (4 أيام عمل) في آيسلندا وبريطانيا، أن تقليص ساعات العمل لا يعني خفض الإنتاجية، بل العكس تماماً، حيث ارتفع الأداء وتحسّن التوازن بين العمل والحياة، كما اعتمدت شركات كبرى في اليابان وكندا أنماط العمل الهجين، ما عزز الابتكار وحفّز الموظفين على تقديم الأفضل.
إن العمل المرن ليس مجرد خيار إداري بل استثماراً اقتصادياً واجتماعياً، فهو يقلل من الازدحام المروري والانبعاثات الكربونية، ويمنح الموظف وقتاً لممارسة الأنشطة الصحية والتطوير الذاتي، ويرفع مستوى الرضا والسعادة، مما ينعكس على الكفاءة المؤسسية والاقتصاد الوطني.
ومع رؤية الإمارات 2030، فإن تبني هذا النموذج بشكل أوسع، يمكن أن يكون خطوة فارقة نحو مجتمع أكثر توازناً واقتصاد أكثر تنافسية.
اليوم نحن أمام فرصة لإطلاق دراسات وملتقيات محلية وعالمية لأفضل التطبيقات، حول مستقبل أنماط العمل، بحثاً عن المعادلة الذهبية التي نطمح إليها:
إنتاجية أعلى – صحة أفضل – ازدحام أقل – سعادة أكبر.
*خبير ومتخصص في إدارة الموارد البشرية

25 سبتمبر 2025
ساعات العمل بين الواقع والتحول الرقمي

جاسم محمد الطنيجي *

تشهد دولة الإمارات منذ سنوات نقلة نوعية في أنماط العمل الحكومي، فبعد أن أصبحت الخدمات مؤتمتة بالكامل، وانتشر استخدام الذكاء الاصطناعي لتبسيط الإجراءات وتسريعها، لم يعد وجود الموظف خلف المكتب طوال ثماني ساعات ضرورة كما كان في السابق.
اليوم يبدأ الدوام من السابعة والنصف صباحاً وحتى الثالثة والنصف عصراً، لكن الواقع يشير إلى أن ذروة العمل والإنتاجية تنحصر في الفترة الصباحية حتى الواحدة ظهراً، ثم ينخفض حجم الطلب على الخدمات بشكل ملحوظ، في الوقت الذي تظل فيه الأنظمة الإلكترونية تعمل بكفاءة دون الحاجة لتدخل بشري مكثف.
هذا الواقع يفتح باب النقاش حول إعادة هيكلة ساعات العمل، ليس بهدف تقليل الإنتاجية، بل على العكس، لتحقيق أقصى استفادة من وقت الموظف عبر:
* العمل المرن الذي يسمح بإنهاء الدوام بعد إنجاز المهام الأساسية.
* العمل عن بعد لبعض الوظائف، بما يقلل من الوقت المهدر في المواصلات.
* استثمار ساعات الفراغ في التعلم والتطوير الذاتي بدلاً من الجلوس انتظاراً لانتهاء الدوام.
* ربط الأداء بالإنتاجية لا بعدد الساعات، وهي معادلة تتناسب مع توجهات الدولة في الكفاءة وجودة الحياة.
* الاستفادة من مرافق التدريب والأنشطة الصحية (مثل الصالات الرياضية داخل المؤسسات وخارجها) بما يعزز الصحة البدنية والنشاط الذهني للموظف، ويُسهم في خفض معدلات الأمراض المزمنة الناتجة عن قلة الحركة.
ولا يمكن إغفال الأثر الكبير للازدحامات المرورية التي يواجهها الموظفون يومياً، سواء عند الذهاب إلى مقار العمل أو العودة منها. فهذه الأزمات لا تؤثر فقط في وقت الموظف وصحته النفسية، بل تنعكس أيضاً على مستوى الرضا والإنتاجية. إن تخفيف ساعات العمل وتوزيعها بمرونة أكبر سيُسهم مباشرة في تقليل الضغط على الطرق، ويدعم جهود الدولة في رفع جودة الحياة وخفض البصمة الكربونية.
إن النقاش حول هذا الموضوع ليس ترفاً إدارياً، بل هو ضرورة عملية لضمان بقاء منظومتنا الحكومية متوافقة مع التحولات العالمية، حيث تتجه كثير من الدول نحو الدوام المرن والأسبوع القصير لرفع الرضا الوظيفي وتحفيز الابتكار.
لقد أثبتت الإمارات أن سعادة الموظف هي جزء لا يتجزأ من سعادة المجتمع، وأن القرارات الجريئة في الإدارة الحكومية طالما كانت نقطة قوة ميزت تجربتها. واليوم نحن أمام فرصة جديدة لعمل دراسات مستقبلية حول شكل الدوام المستقبلي بموجب معطيات الإنتاجية وحجم العمل والأنظمة الذكية، بحيث نحقق المعادلة الذهبية بين:
إنتاجية أعلى – صحة أفضل – ازدحام أقل – وسعادة أكبر.
* خبير ومتخصص في إدارة الموارد البشرية