يبدو أن كلمات الشاعر والمسرحي الإغريقي سوفوكليس، التي كتبت قبل أكثر من ألفي عام، والتي قال فيها: «لا تفعل شيئاً في الخفاء، لأن الزمن يرى ويسمع كل شيء، ويكشف كل شيء» لم تفقد جوهرها ولا عمقها، ولا مصداقيتها، بل على العكس كأن هذا العصر الذي نعيشه، وتتوهج فيه التقنيات الحديثة والإلكترونيات يعزز هذه المقولة ويدعمها، فالخصوصيات والأسرار باتت وكأنها سجل مفتوح أمام الجميع، وكأن قوة الاتصالات الحديثة قد ألغت جانباً من الخصوصية التي كانت تستر الكثير من الأسرار وتخفيها.
منذ فجر التاريخ البشري، اجتهد الإنسان في إخفاء بعض أعماله، أو ما يعتبره خصوصياته، ومهما كان الدافع لإخفاء الحقائق أو الوقائع، وسواء أكانت بدافع الخوف، أو الطمع، أو الخجل... أو غيرها.
فإن مبدأ الكتم والسر والخصوصية تعاظم للدرجة التي أصبح يتم فيها إخفاء بعض المعلومات العامة والمشاعة وسترها عن السواد الأعظم من الناس، وستجد في بيئات العمل أو المجتمع الصغير أو في مختلف مفاصل المجتمع حالات تم فيها إخفاء معلومة ما، لم يكن من المفترض أن تبقى حبيسة الصدور أو الأدراج، بل على العكس كان يفترض بثها ونشرها وتعميمها.
المشكلة الجسيمة، عندما يتم مثل هذا الإخفاء، وإقصاء معلومة ما، وتسبب ضرراً للآخرين، أو تربك حياتهم، أو تعطل مسيرتهم، أو تعوق تقدمهم، عندها يصبح هذا السر والإخفاء ضاراً، وذنباً، وحالة من حالات ظلم الآخرين. هذه المقولة من الشاعر الإغريقي تبين أن الزمن كفيل بكشف مثل هذه الحالات، وما لا تراه أعين الناس اليوم قد ينكشف لها غداً.
لذا فإن عمر الأكاذيب والخداع قصير جداً، ولا مستقبل لها، خاصة في العالم الرقمي الذي نعيشه، لأن كل شيء يتم تدوينه، ويحفظ، ويسجل، وتبقى المعلومات متداولة، مهما حاولنا إخفاءها، أو إقصاءها، وكأننا فعلاً في زمن يسمع ويرى ويخزن، تماماً مثلما قال قبل أكثر من ألفي عام ذلك الشاعر الإغريقي. دون شك، هذه ليست دعوة لانتهاك خصوصية الآخرين، ولا من أجل نشر جوانب شخصية للآخرين وبثها، بل الحديث عن تلك –معلومات، معارف، علوم، ثقافة... إلخ- التي تمس الجميع، وهي حق للجميع، ويتم العمل على إخفائها وكتمها، واعتبارها سراً شخصياً، ما يسبب ضرراً واضحاً يمس الآخرين، هذا الكتم المقصود، وهذا الإخفاء هو المرفوض.
[email protected]
www.shaimaalmarzooqi.com
الإخفاء المرفوض
18 أكتوبر 2025 00:08 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 أكتوبر 00:08 2025
شارك