الرحلة مع الناس تشبه الرحلة وسط متاهة، لها مسالك متعددة وطرقات متنوعة، ومنافذ كثيرة، تصيبك الحيرة في التعامل معهم، تعجز عن فهمهم، متنوعون حد الضجر، ومختلفون حد العجز عن الفهم، ومتباينون حد الذهول والاستغراب. الرحلة مع الناس، كما قلت، تشبه السير وسط متاهة واسعة، تتشعب فيها المسالك، وتتكاثر المتفرقات، وتغدو الخطوة فيها مغامرة في عالم لا يمكن التنبؤ به.
وكأن كل إنسان عبارة عن خريطة معقدة من التجارب، والوراثة، والمعتقدات، والذكريات، والانفعالات. قد تلتقي اثنين من الناس عاشا في المكان نفسه، وتلقيا التعليم نفسه، لكن أحدهما ينظر إلى الحياة كنافذة مفتوحة من الأمل، والآخر يراها باباً موصداً من الخيبات. هنا تكون التجربة الذاتية حاضرة، مثل النجاح والفشل، التفوق والإخفاق، ونحوها، حيث يكون لها التأثير البالغ، لكن يبقى الاختلاف سنة من سنن الوجود.
يقول الله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين) (هود: 118). لذا، فإن التنوع في التفكير، أو في التصرفات، ليس ممارسات خاطئة، بل هو جوانب اعتيادية، قد تكون سبباً لإثراء التجربة الإنسانية. علم النفس الاجتماعي، توقف مع هذه الحالة، مثل عالم النفس الأمريكي غوردون ألبورت، في كتابه الذي حمل عنوان «الشخصية: تفسير نفسي» ونشر عام 1937 م حيث تناول هذا الجانب بالقول: «شخصية الإنسان تتكون من مجموعة من السمات المستقرة نسبياً، لكنها تتفاعل مع البيئة والمجتمع لتنتج أنماطاً مختلفة من السلوك. هذا التفاعل هو ما يجعلنا نندهش من اختلاف ردود أفعال الناس تجاه الموقف الواحد».
عندما نفهم هذا الجانب، عن أنفسنا، وعن طبيعة حياتنا وسلوكنا، فإننا نكون قادرين على النظر في تصرفات كثير من الناس، خاصة التصرفات التي نستغربها، ولا تتماشى مع رؤيتنا، ولا مع وجهات نظرنا، ولا أقصد التصرفات أو الأفعال الخاطئة، المتفق على أنها خاطئة، وإنما التصرفات العامة التي تخضع للرأي والأولويات.
عندما نفهم ونتفهم، فإننا سنقدر كل قرار يختلف عما نراه، ونقدر كل ما ذهبوا إليه، لأننا ببساطة نكون قد تعلمنا النظر بالقبول، أوعلى الأقل، بالتفهم اللازم، لأي قرار يختلف عن وجهة نظرنا، وعن توجهاتنا الحياتية، نتفهمه ونضعه في سياقه الطبيعي، المتعلق بتنوع التفكير، والاختلاف، والتباين. وهذا الاختلاف أوالتباين، يجعل حتى أذواقنا واختياراتنا في المأكل والمشرب مختلفة، فكيف في بقية شؤون الحياة؟.