نميل في محادثاتنا اليومية إلى الاعتقاد بأن مشاعرنا واضحة للآخرين كما هي واضحة لنا، فنحسب أن الارتباك يبدو على وجوهنا، وأن الحماسة واضحة في نبرة كلامنا، ثم نتفاجأ بأن الطرف المقابل لم يلتقط شيئاً مما دار في داخلنا، هذا الانفصال بين التجربة الداخلية وما يصل فعلاً للآخرين يسمى في علم النفس «وهم الشفافية»، وهو يفسر مواقف كثيرة تبدو محيرة في العمل والعلاقات، مثل العرض التقديمي الذي خرجت منه وأنت متأكد أن القاعة قرأت قلقك بينما الحضور لم يلحظوا ذلك، أو الحوار الذي تعتقد فيه أنك أوضحت فيه نيتك الحسنة، لكن صديقك فهمه ببرود أو غموض.
جوهر المشكلة أن العقل يضخّم إشاراته الداخلية لأنها عالية الوضوح لديه، فيظن، تلقائياً، أنها انتقلت كما هي للآخرين بينما الواقع أن ما يراه الآخرون مجرد لمحات متفرقة تحتاج إلى صياغة حتى تصبح رسالة مفهومة. يقودنا هذا الوهم إلى سلوك دفاعي أو اعتذاري زائد لا داعي له أحياناً، أو إلى توقعات غير واقعية من زملائنا وشركائنا بأن يقرؤوا مقاصدنا، والحل ليس في التمثيل ولا في المبالغة، بل في التحويل المقصود للمشاعر والنيات إلى سلوك قابل للرؤية وأكثر وضوحاً، مثل أن نستبدل الافتراض بأن فريقي يعرف ضغطي برسالة موجزة تحدد أين تعطلت المهمة وماذا أحتاج ومتى، وأن نلخص بعد كل اجتماع ما اتفقنا عليه بدل الركون إلى أن المعلومة وصلت، كما يفيد تدريب بسيط قبل المواقف المهمة على موازنة تعبيرك الداخلي بالصورة الخارجية، مثل تجربة تسجيل فيديو قصير أو «بروفة» أمام شخص موثوق يخبرنا بما ظهر فعلاً، وليس بما شعرنا به نحن، ومع الوقت ينكمش الفارق بين الداخل والخارج، فنقلص سوء الفهم، ونكسب ثقة أكبر، لأننا لم نعد نعتمد على التخيل بل على إشارات واضحة.
هنالك دراسة مثبتة علمياً بعنوان «وهم الشفافية» توصلت إلى أن الناس يبالغون في تقدير قدرة الآخرين على قراءة مقاصدهم الداخلية. واتضح لي أن إدراكنا «وهم الشفافية» ليس هدفه أن يكون مبرراً للقسوة أو البرود الاجتماعي، إنما يعيد توزيع المسؤولية بعدل بينك وبين الطرف الآخر (المستمع)، إنه يوضح لك أن مسؤوليتك هي استخدام أسلوب واضح لإيصال الفكرة، ويوضح للطرف الثاني أن القراءة الدقيقة للآخرين تحتاج إلى سؤال وتحقق، وليس حدساً فقط.
مسؤولية المتحدث.. والمستمع
20 أكتوبر 2025 00:40 صباحًا
|
آخر تحديث:
20 أكتوبر 00:40 2025
شارك