عندما تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، تحديداً، وتجد نقاشاً وحواراً حول قضية ما، وترى وتسمع الكثير من المغالطات، أو تصطدم بمعلومات تحمل أنصاف الواقع والحقيقة، أو معلومات لا تمت للحقيقة بأي صلة، سوى أنها معلومات خرافية، ولا مكان لها في الواقع، ومع هذا تشاهد من يتفاعل معها ويؤمن بها، بل ويبني كلماته حولها، وعند محاولة التصحيح والتنبيه، تصطدم بواقع لا يبحث عن المعلومة الصحيحة، أو يشغله الوصول إليها. هذه الحالة تم رصدها في الأروقة العلمية، ولدى الدارسين في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، وأطلقوا عليها مسمى أو مصطلحاً: ما بعد الحقيقة، وهي «حالة يكون فيها تأثير الحقائق الموضوعية أقل من تأثير العواطف والقناعات الشخصية في الرأي العام». والمذهل أن الزهد في الحصول على الحقيقة، لا يقتصر على الأخبار الكاذبة فقط، بل إنه يمتد إلى جوانب أخرى حيوية ومهمة مثل الكيفية التي نستقبل فيها المعلومة، ومعها تتحول القناعة كبديل للحقيقة، بل الرغبة الشخصية تصبح هي المهيمنة في مواجهة الواقع الفعلي. أسوق مثالاً للتوضيح، وعلى جانب شخصي فردي، وهو أن تؤمن وتعتقد بأنك متفوق في الجامعة، أو مميز في وظيفتك، ومع أنك تخفق في الجامعة، أو عليك ملحوظات مهنية من مرؤوسيك في العمل، إلا أنك ترفض تصديق هذا الواقع وهذه الحقيقة، وتؤكد لنفسك بأنك مميز ومتفوق. وتتحدث عن هذا الجانب وكأنه حقيقة مجردة، بينما لو التفت لمعالجة الخلل في دراستك أو تجنب الملحوظات في بيئة عملك، فإنك سلكت المنهج الصحيح، ما يعني توظيف الحقيقة لخدمتك وعدم إنكارها أو تجاهلها، ولكم تخيل هذه الحالة، على مواضيع أكبر وأهم تمس دولاً ومجتمعات، وتمس منجزات حضارية ومعرفية، ومع هذا يأتي من يرفضها ويؤمن ببعض من الأكاذيب وأنصاف الحقائق، ويروج لها ويتبناها. مصطلح ما بعد الحقيقة، يعرفه الباحث لي ماكنتاير، في كتابه الذي حمل العنوان نفسه: ما بعد الحقيقة، الصادر عام 2018 عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث قال: «بيئة يتم فيها تشكيل النقاش العام بصورة أكبر بواسطة الجاذبية العاطفية والتكرار لنصف حقائق أو معلومات مضللة، بدلاً من الحقائق الموضوعية».
جولة في مواقع التواصل، ومواقع منتشرة على شبكة الإنترنت، تبين لنا، واقعاً مظلماً يقوم على التزوير ورفض الحقائق، والركون إلى التزوير والمعلومات المضللة، إنها حالة مؤلمة، لكنها واقع نعيشه يومياً ونشاهده.

[email protected]