نحن في عصر لا يتوقف فيه الكلام، ولا تتوقف فيه المعلومات التي تحملها الكلمات، سيل جارف من الحروف، والجمل، والمواضيع، التي لا يمكن تخيل توقفها إطلاقاً، وهو ما يجعلنا نعيش في عالم من الضجيج والصخب. تقابل هذه الحالة قوة تسمى قوة الصمت، ويقال بأن الصمت لغة، ولعله من أندر اللغات، وربما أكثرها عمقاً، والصمت هنا ليس مثلما يعتقده البعض بأنه انسحاب أو هروب من التفاعل مع الآخرين، أو انسحاب من المجتمع، بل وسيلة وطريقة توازن مع ما يحيط بنا من ضجيج الكلمات، وهي لغة الحكماء، ويصح القول بأنها طريقة ومنهج للتواصل الراقي.
وفي كثير من المجتمعات ينظر إلى الصمت على أنه منهج سلوكي يدل على الاحترام والحكمة، لا على الضعف أو الخوف، كما قد يشيعه البعض ممن لديهم ثقافة سطحية وآراء لا تستند إلى العلم والمعرفة. تقول الباحثة في الأنثروبولوجيا جودبث ن. مارتن، في كتابها الذي نشر عام 2022 ويحمل عنوان «الاتصال بين الثقافات في سياقاته»: «في الثقافات عالية السياق، يعد الصمت علامة نضج اجتماعي، ووسيلة للتواصل بين من يفهمون بعضهم دون حاجة إلى شرح».
وقد اعتبر المؤلف دانييل غولمان، رائد مفهوم الذكاء العاطفي، أن الصمت نوع من الذكاء العاطفي، فقال: «الصمت في لحظات الانفعال ليس انسحاباً، بل هو استخدام ناضج للعاطفة، يتيح للآخر أن يفهم رسالتك من خلال نبرة غيابك». وغني عن القول بأن هناك صمتاً سلبياً تماماً كما أن هناك صمتاً بناء وإيجابياً، وينحصر الصمت السلبي في الصمت حين يتحول إلى تجاهل أو انغلاق دائم يمنع التواصل ويعمق الجفاء. وهو العكس تماماً، عندما تتم ممارسة الصمت، بهدف تفادي الانفعال المؤذي، أو لتأمل الموقف والتفكير الهادئ، قبل التحدث والكلام. يقول الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين: «ما لا يمكن قوله، يجب أن يصمت عنه».
يبقى الصمت أسلوباً عميقاً في الإصغاء للآخر وأيضاً الإصغاء لأنفسنا، وما تقوله عقولنا بهدوء واطمئنان. مرة أخرى الصمت، ليس نقصاً في المشاركة، بقدر ماهو حضور هادئ، ينبع من الوعي، يسهم في تقوية الروابط، ويوسع المساحة الإنسانية التي تتقلص مع الضجيج الذي يسود عالمنا.
[email protected]