في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات وتتعالى فيه لغة المصالح، تبقى هناك دول قليلة تختار أن تتحدث بلغة مختلفة، لغة الفعل الهادئ الذي لا يحتاج إلى ضجيج، وبين هذه الدول، تبرز الإمارات العربية المتحدة كحالة سياسية وإنسانية فريدة، فهي لا تتعامل مع القضايا العالمية بمنطق المصلحة وحدها، بل بمنظورٍ أوسع يرى أن الإنسان هو محور كل سياسة ناجحة. فحين تضع الدولة حماية الأطفال من الأمراض ضمن أولوياتها، فإنها لا تمارس عملاً خيرياً فحسب، بل تؤسس لفكرٍ سياسيٍ جديدٍ يجعل من الرحمة أداة تأثير حقيقية في عالمٍ تزداد فيه الفوارق وتضيق فيه المسافات بين السياسة والأخلاق.
هذه الرؤية تتجلى بوضوح في الدور الذي تقوم به الإمارات في استئصال شلل الأطفال، وهو واحد من أنبل المشاريع الإنسانية المعاصرة، فبينما ينشغل العالم بقضايا السلطة والاقتصاد، تنشغل الإمارات بقضية تبدو بسيطة لكنها تحمل أعمق المعاني: أن تمنح طفلاً القدرة على المشي، وأن تردَّ لأمه الأمل في حياةٍ طبيعية، هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تمرّ عابرة في نشرات الأخبار، هي في حقيقتها جوهر السياسة الإماراتية التي يقودها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والمبنية على فكرة واضحة: أن العمل الإنساني ليس نشاطاً جانبياً، بل امتداد طبيعي لمسؤولية الدولة تجاه العالم.
منذ عام 2011، اختارت دولة الإمارات أن تجعل من مكافحة شلل الأطفال أولوية إنسانية عالمية. وبتوجيهات صاحب السمو رئيس الدولة، تحولت الفكرة إلى برنامج عمل مستدام، يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، أكثر من 381 مليون دولار خُصصت لدعم المبادرات الدولية للقضاء على المرض، عبر مؤسسة محمد بن زايد للأثر الإنساني، وبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية واليونيسيف، في مشهد يجسد التقاء المبدأ الإنساني بالرؤية السياسية الواعية.
لم يكن الهدف مجرد دعم مالي، بل الوصول إلى أولئك الذين لا تصل إليهم عادةً أيادي العالم. في باكستان، على سبيل المثال، قادت حملة الإمارات للتطعيم ضد شلل الأطفال واحدة من أوسع العمليات الميدانية الإنسانية في المنطقة، ووزعت أكثر من 850 مليون جرعة لقاح منذ عام 2014 وفي عام 2024 وحده، تمكنت الفرق من تطعيم 17 مليون طفل في 85 منطقة عالية الخطورة، بمشاركة أكثر من 103 آلاف عامل ميداني، نصفهم من النساء اللواتي يعبرن القرى والجبال يوماً بعد يوم، حاملات اللقاح والأمل معاً.
هذا النجاح لم يكن مجرد إنجاز طبي، بل تأكيد على أن العمل الإنساني يمكن أن يكون أداة فعالة للسياسة، فالإمارات أدركت أن تقديم المساعدة لا يغيّر فقط حياة الأفراد، بل يعيد بناء جسور الثقة في مناطق أنهكتها الأزمات ومن هنا جاءت قوتها الناعمة الحقيقية: الحضور الهادئ، الفعّال، المستمر.
وفي أغسطس 2024 (آب)، حين أعلنت منظمة الصحة العالمية أول إصابة بشلل الأطفال في غزة منذ 25 عاماً، جاءت استجابة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان سريعة وواضحة، وجّه بتخصيص خمسة ملايين دولار لدعم حملة عاجلة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية واليونيسيف و«الأونروا»، خلال أسابيع قليلة، تمكّنت الفرق من تطعيم أكثر من 560 ألف طفل، كما حصل أكثر من 448 ألف طفل على مكملات فيتامين (أ) لتعزيز صحتهم، هذا القرار لم يكن مجرد تدخل إنساني، بل موقف أخلاقي يعكس إدراكاً عميقاً لمسؤولية الدولة تجاه الإنسان أينما كان.
اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الجهد الدولي، تراجعت حالات شلل الأطفال بنسبة 99.9%، وبات الفيروس محصوراً في دولتين فقط هما باكستان وأفغانستان، لكن المرحلة الأخيرة من القضاء عليه تبقى الأصعب، لأنها تعتمد على القدرة على الوصول إلى كل طفل في المناطق النائية أو المتأثرة بالنزاعات وهنا تبرز الإمارات كأحد أكثر الشركاء ثباتاً والتزاماً، إذ لم تتعامل مع هذه المهمة كحملة محددة بزمن، بل كمسؤولية إنسانية طويلة الأمد.
هذه المقاربة الهادئة تعكس فلسفة القيادة الإماراتية في إدارة الملفات الإنسانية: أن الأفعال الصغيرة المتكررة تبني ثقة أكبر من التصريحات الكبيرة. فكل جرعة لقاح تصل إلى طفل هي رسالة بأن الإمارات حاضرة، وأن إنسانيتها ليست رد فعل، بل نهج دولة.
القصة في جوهرها ليست عن أرقام ولا عن تمويل، بل عن رؤية ترى أن السياسة لا تُفقد معناها ما دامت تحمل قلباً.
فحين ينجو طفل من الشلل في قرية بعيدة، يكون ذلك أيضاً انتصاراً للسياسة التي اختارت أن تكون في خدمة الإنسان لا في صراعه.
وهكذا تثبت الإمارات أن الإنسانية ليست هامشاً في العلاقات الدولية، بل يمكن أن تكون مركزها. ومن خلال قيادةٍ تؤمن بالفعل قبل القول، ترسخ الإمارات درساً بسيطاً وعميقاً في آن: أن القوة الحقيقية تبدأ من القدرة على منح الحياة.
الإمارات.. إنسانية تصنع السياسة
28 أكتوبر 2025 00:31 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 أكتوبر 00:31 2025
شارك