قصة الكتب تشبه قصة الحضارة، أو هي قصة الحضارات البشرية منذ فجر التاريخ وإلى اليوم، ومثل البشر تعرضت الكتب إلى الغزو والحرق والمطاردة، وبعض الكتب دفعت مؤلفيها إلى جوار رجال السلطة والدولة، وبعضها قتلت مؤلفيها، وبسبب الكتب حاز المؤلفون على صرر من الذهب والفضة، وبسببها أيضاً دخل مؤلفوها السجن، أو حكم عليهم بالإبعاد والمنفى، واستعملت الكتب في مؤامرات الاغتيال والقتل السري مثل ذلك الكتاب المسموم، والذي فُرِدَ السم على حواف أوراقه، ومع تقليب الصفحات، وَبَلَلها بلعاب القارئ يتحول الكتاب إلى أداة قتل، وهي فكرة جهنمية، تجعل المرء يخاف من الكتاب، ولكن مع ذلك، سنقرأ الكتب.
من بين هذه السردية في تاريخ الكتب، يتوقف القارئ عند كتاب قديم جرى دفنه مع مؤلفه، وهو مخطوط يوناني يُسمى «مخطوط لايدن»، عثرت على معلومات حوله في هامش صغير في كتاب «قصة الألوان» للباحث الإيطالي مانليو بروزاتين ونقله إلى العربية المترجم السنوسي إستيتية، والكتاب المدفون بحسب المؤلف او المترجم اكتشف في بداية القرن التاسع عشر «وَحُفِظَ في متحف آثار مدينة لادين الهولندية، واشتمل على مئة وإحدى عشرة وصفة عن استخراج المعادن أو تزييفها، وأحجار نفيسة، وصبغة أرجوانية، وصناعة النسيج، وأحبار ذهبية وفضية»، وفي البداية عثر على الكتاب في طيبة المصرية ثم نقل إلى متحف لادين.
هذه واحدة من قصص العقل اليوناني المفكر والخلاق في تاريخ الفنون والنسيج والعمارة والفلسفة والرياضات والنحت، التاريخ الذي سوف نتعرّف إليه عن قرب بعد أيام قليلة في معرض الشارقة الدولي للكتاب، حيث تحلّ اليونان ضيف شرف دورة المعرض الرابعة والأربعين، ومن يقرأ أكثر في التاريخ اليوناني، سيجد انه يشبه الطبقات، «تاريخ طبقات المعرفة»، إن أمكن القول.
ولكن، لنعد إلى هذا المخطوط اليوناني العجيب الذي كان يشتمل على موادّ حبرية وصبغية ملونة، ودفن مع مؤلفه، أما قصة الدفن هذه فهي في حد ذاتها قصة تبنى عليها رواية، كما هو الحال في روايات المخطوطات مثل رواية «اسم الوردة»، ورواية «عزازيل».
لماذا دفن مخطوط الألوان هذا مع مؤلفه؟ ومن هو مؤلفه؟ لا توجد إجابات حول ذلك يقدمها الباحث في تاريخ العمارة، الفنون الجميلة مانليو بروزاتين، لكننا نعرف انه كُتب قرابة عام 400 ميلادية، وهو «أقدم الوصفات السرية التي وضعها صبّاغون حرفيون إبّان تبادل الغرب مع الشرق نتيجة المدّ والجزر المتوسطي بين روما والقسطنطينية».
عاش الكتاب المخطوط، وصاحبه تحت الثرى مدفونُ.