مفتاح شعيب

عادت إسرائيل إلى عادتها القديمة، وعاش سكان قطاع غزة ليلة عصيبة من ليالي العدوان الطويلة، أسفرت عن سقوط أكثر من 100 ضحية، في أوسع انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم قبل عشرين يوماً، برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي ما فتئ يعلن أن الحرب انتهت، ثم يعود إلى تلويحاته المألوفة بفتح باب الجحيم مرة أخرى، بحجة أن الطرف الفلسطيني، ممثلاً في حركة «حماس»، ينتهك الاتفاق.
الخرق الدامي في غزة لن يكون الأخير، على الأرجح، فالنوايا المبيتة تُظهر أن الحرب لم تنتهِ، وأن الطبع العدواني الإسرائيلي يغلب محاولات التطبع بالسلام أو التعايش مع الفلسطينيين وشعوب المنطقة. وما حدث كان عملاً حربياً متكاملاً، بما فيه من قصف واسع ومكثف ودمار ووقوع عشرات الضحايا، وليس مجرد انتهاك بسيط أو غارة منفردة. وقد لا يكون للعودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار أي معنى، إذا كان أدنى انتهاك متوقع، سوف يسفر عن مذبحة وحرب بالتقسيط، تستكمل ما بدأه العدوان قبل أكثر من عامين، غداة هجوم السابع من أكتوبر.
ردود الفعل الأولية على هذا الخرق القاتل لاتفاق الهدنة، لم تتعدَّ دعوة تل أبيب إلى «ضبط النفس»، فيما بقي البيت الأبيض متفرجاً، مع تأكيده أن اتفاق وقف إطلاق النار سيصمد، دون أن يبدي موقفاً عملياً يحفظ ذلك الاتفاق، الذي سيكون ترامب الخاسر الأكبر فيه، إذا نسف المتطرفون في تل أبيب هذه الهدنة، ومضوا في خطتهم المضمرة، باستئناف الحرب بشكل أوسع وأقسى، بعد أن استعادوا كل الرهائن الأحياء، ومعظم جثث القتلى. وهذا التوجه يعّبر عنه وزير الأمن المتطرف إيتمار بن غفير الذي هاجم العودة إلى وقف إطلاق النار، وهدد بإسقاط حكومة بنيامين نتنياهو بحجة أنها لم تباشر العمل على تحقيق أهداف الحرب، ومن أبرزها تدمير «حماس»، ونزع سلاح جميع الفصائل الناشطة في قطاع غزة.
المواقف الصادرة من واشنطن وتل أبيب ليست متباينة أو متناقضة، كما تحاول بعض الأطراف تصويرها، بل هي خاضعة للعبة توزيع أدوار، بين المتطرف والأقل تطرفاً و«صانع السلام»، وهذه المعادلة بُنيت طوال عامين كاملين من الحرب، وهي مستمرة اليوم بصيغة أخرى، وهو ما قد يهدد مستقبل هذه الهدنة، بما يمس من صورة الرئيس الأمريكي الذي رعى الاتفاق الموقع مؤخراً في قمة شرم الشيخ، ومنذ تلك اللحظة المشهودة، ساد اعتقاد بأن مشاهد الحرب والتهجير والتجويع في قطاع غزة قد انطوت إلى الأبد، ولاحت تباشير السلام، كما تأمل كل الأطراف، باستثناء إسرائيل، على ما يبدو.
ليس هناك من خيار في غزة، غير المضي في خطة إنهاء الحرب، ومعالجة آثارها الإنسانية والأمنية والسياسية، ولقطع الطريق على الخروقات المتكررة ومحاولات التنصل الإسرائيلية، لا بد من دعم ذلك الاتفاق، بمزيد من الضمانات والخطوات العملية، مثل السماح بتدفق المساعدات الإغاثية الكافية، والمرور إلى المرحلة الثانية من اتفاق إنهاء الحرب، ومباشرة إعادة إعمار قطاع غزة المدمّر.
[email protected]