عُمرٌ جرى على أغلفة المجلات

00:05 صباحا
قراءة دقيقتين

محظوظٌ مَنْ عنده الأعداد القديمة للمجلات العربية في السبعينات والثمانينات: الكواكب، الشبكة، الموعد، روز اليوسف، الهلال، آخر ساعة، حواء، وغيرها من المجلات الخاصة بالفن بشكل محدد، وتلك كانت مجلات غلاف إن جاز التوصيف المهني، بمعنى أن أغلفة تلك المجلات كانت تحمل صورة فناني وسينمائيي ذلك الزمن الذي يطلق عليه دائماً الزمن الجميل، وقد كان بالفعل زمناً جميلاً قياساً لما نحن عليه الآن من بعض القبح الذي لا يليق بالفن، ويتناقض بالمطلق مع روحه الغنائية الجمالية.

دعك من الزمن الجميل ونقيضه، واذهب معي إذا أردت إلى أغلفة مجلات الفن قبل أربعين أو خمسين عاماً، أغلفة السبعينات والثمانينات تحديداً: عبد الحليم حافظ، شادية، فريد الأطرش، لبنى عبد العزيز، عفاف راضي وغيرهم وغيرهن من نجوم بداية التلفزيون الملون، وبداية صحافة صناعة النجم بدءاً من اسمه أو إطلاق لقب عليه، مروراً بحياته الزوجية والعائلية، وانتهاء بكشف أسراره بعد موته في إطار سردية صحفية تقع دائماً في خانة الإثارة، والمفاجأة، والتشويق، وبكلمة ثانية، مثلما كان هناك سينما «أكشن»، كان أيضاً «صحافة أكشن».

جاءت مراهقة أبناء جيلي في فترة سبعينات القرن العشرين، وهي بالضبط سبعينات السوالف الطويلة، وبنطلونات الشارلستون، والقمصان ذات الياقات الطويلة العريضة، والشعر الطويل وإلى من يريد العودة إلى هذه الصورة الأرشيفية، فليبحث عن أفلام محمود ياسين بشكل خاص مع بطولات نسائية لا تنسى لنجلاء فتحي، ونيللي، وشادية، وسعاد حسني، وسهير رمزي، وغيرهن من بطلات السبعينات، العاشقات أحياناً، وأحياناً المكسورات أو المخدوعات أو اللواتي هنّ سيئات الحظ.

كان غلاف المجلة يحمل هذه الوجوه، من فنانين وفنّانات، وكنا في الثانوية العامة نقص الغلاف، ونحتفظ به، أو نعلّقه في غرفة هي في العادة غرفة فقيرة لمراهق في العشرين من عمره يحلم أن يكون مثل حسين فهمي، أو عمر الشريف.

كانت الشبكة، والكواكب، والموعد مجلات مرحلة زمنية محدّدة تنتهي بالمراهقة وما بعدها بقليل، لكنها في الوقت نفسه كانت مجلّات الذاكرة الأولى أو العواطف الأولى التي نبت الحب على حوافها ببطء، وسوف يتبع هذا التحول العاطفي تحول آخر يتعلق بروح ذلك المراهق ونفسه الصغيرة الجميلة البيضاء، وهي بالطبع، نفس ليست أمّارة بالسوء، لأن الكثير من شباب ذلك الزمن سيقعون في الحب الأول، الذي هو حب بنت الجيران، بنت الإعدادية أو الثانوية، ذات المريول المدرسي الأخضر أو الأزرق، التي سوف نرى صورتها أو قصّتها في السينما، ولأن السينما هي قصة دائماً بالنسبة للصحفي، فإننا سنقرأ «قصصنا» في تلك المجلات.

ياه، أإلى هذا الحدّ تقدّم بنا العمر سريعاً أو أنَّ الزمن مثل الماء جرى من تحتنا بصمت، فلم ننتبه للشيب الذي غطّى رؤوسنا، ورحنا نبحث عن أعمارنا فوق أغلفة المجلّات.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"