د. ناجى صادق شراب
أصبح مصطلح السلام الدائم معترفاً به عندما نشر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط مقالته عام 1795 بعنوان «إلى السلام الدائم: تصميم فلسفي» وتحدث فيها عن مشروع دستور تلتزم به الأمم جميعاً درءاً للحروب، وعنده كل إنسان عقلاني له حق طبيعي في الحرية، وواجب الدخول في حالة اجتماعية محكومة من قبل عقد اجتماعي بهدف تطبيق الحرية وتنفيذها.
وقد اهتم كانط بمسألة التنازع بين البشر وما تجره من حروب، والحروب تمثل المأساة الكبرى والهاجس الخطِر للإنسانية ومصدر كل الشرور، وحاول كفيلسوف أن يرسم للإنسانية حلم الطمأنينة والسلام عبر مشروع للسلام الأبدي، وأعلن أن أكبر شر يصيب الشعوب لا يعني الحرب الماضية أو الحاضرة بل الاستعداد للحرب المقبلة، وسلام كانط أساسه إنشاء حلف بين الشعوب ومنه تم استلهام اسم عصبة الأمم. ومرتكزات السلام الكانطي أن الحروب لا تحقق السلام وتخلو من العدالة، وأن تتأسس العلاقات الدولية على قواعد أخلاقية والانتقال بها من حالة الطبيعة المتوحشة إلى حالة المدنية الأخلاقية، وعدم تضمين معاهدات السلام بنوداً سرية تعطي الحق لاستئناف الحرب، مؤكداً أنه لا حاجة للجيوش الدائمة مستقبلاً، ولا يجوز لدولة أن تتدخل في نظام حكم دولة أخرى.
هذا مختصر لرؤيته للسلام، وكأنه يصف حالة الحرب والعنف والعدوان والقتل على قطاع غزة الذي يحتاج إلى سلام يقوم على الأخلاق والفضيلة والحقوق، وليس سلاماً كما نراه اليوم يقوم على العدوان والحرب الدائمة وعدم الاعتراف بالإنسان الفلسطيني وحقه الطبيعي في الحرية والعدالة والدولة المستقلة.
هذا سلام كانط، أما سلام ترامب الذي عبّر عنه في خطته لوقف الحرب على غزة فهو سلام السياسي الساعي للهيمنة والسيطرة والنفوذ والقوة، سلام القوة والمصلحة الذاتية، وهذا ما عبَّر عنه في الكثير من مقولاته وتبنيه وانحيازه لإسرائيل كدولة قوة وليس كدولة سلام، دولة تتبنى الحرب خياراً لها وترفض قيام الدولة الفلسطينية، وتنكر كل الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، ولا تعترف باحتلالها، وهذا ما يتبناه ترامب ويؤيده في رؤيته. فهو يتكلم عن طموحات الشعب الفلسطيني ولا يتكلم عن شعب له حق تقرير مصيره في دولته، ويتحدث عن تشكيل المنطقة من خلال سلام القوة، وهمُّه الوحيد أن تكون إسرائيل الدولة الحاكمة والقوة الوحيدة في شرق أوسط جديد.
أما الدولة الفلسطينية فمجرد حلم، فهو يتجاهل كل قرارات الشرعية الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة والتي نصت على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، كما يتجاهل اعتراف 160 دولة بفلسطين كدولة تحت الاحتلال، ولا يعترف بأن هناك احتلالاً إسرائيلياً، إنه يؤمن بسلام القوة بقوله: «لدينا أسلحة لم يحلم بها أحد وآمل ألا نضطر إلى استخدامها، وكثير من هذه الأسلحة قدمناها لإسرائيل» ونسي أن هذه الأسلحة قتلت ودمرت وشاركت في حرب الإبادة.
إن خطة ترامب لا تقدِّم مساراً واضحاً نحو قيام الدولة الفلسطينية، بل تقوم على مكافأة إسرائيل على حربها ومكافأة نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب حرب إبادة ويطالب المحكمة التي فرض عليها عقوبات بسحب هذه التهم وهذا لم يحدث في التاريخ.
ويبقى السؤال: هل هذه المبادرة هدفها إرساء السلام الدائم كما تحدث عنه كانط؟ وإذا كان هدفها الحقيقي السلام فسيكون سلاماً دائماً يتوالد مع الأجيال ليتحول إلى سلام عالمي، أما إذا كان هدفه سلام القوة والحرب فسيجلب صراعاً وحرباً دائمة، ويولِّد أجيالاً تتربى على الكراهية والحقد والرغبة في القتل كما نرى نموذجها اليوم في الحرب على غزة.
السلام المطلوب هو الذي يستعيد الحقوق الناقصة لأطرافه ويحقق التوازن في معادلة الحقوق وصولاً لصيغ التعايش المشترك وبناء سلام العدل والأخلاق، ونبذ الكراهية والحقد والتعصب، السلام الذي تحدث عنه كانط هو سلام الإنسان وحقه في الحرية والعدالة، ويبقى أن السلام يحتاج حكومات للسلام وأفراداً ينشؤون على السلام وهذه هي الإشكالية الكبيرة بين السلام الدائم لكانط وسلام ترامب الباحث عن القوة.