عبدالله السويجي

يقولون في الخطابات الأدبية والثقافية والاجتماعية: الإنسان هو الأسلوب، فهل يمكن بالقياس القول إن الدولة هي الأسلوب؟
هي مقاربة قد تبدو سهلة ومستساغة لكنها ليست كذلك على الإطلاق، والصعوبة ليست في المبدأ إنما في الممارسة، فهل سلوك الإنسان يمكن أن يكون شبيهاً بسلوك الدولة حين نقول بأن الإنسان هو الأسلوب، والدولة كذلك؟ علماً أن المعرفة والخبرة والمبادئ والقوانين ستكون مختلفة، لكن في نهاية المطاف سيتم ترجصمتها إلى سلوك، أي إلى أسلوب. فإذا كان الأسلوب هو ما يفسّر الإنسان إن كان حضارياً أو متوحشاً، فإن الأسلوب ذاته يفسر الدولة إن كانت مدنية أو استبدادية أو ديمقراطية، لأنه يحدّد سلوكها مع مواطنيها كما يحدّد سلوكها مع الآخر.
والآخر هنا، الدول الأخرى، أي العلاقات الخارجية، وهنا قد تختلف مع الإنسان الذي يجب ألا يختلف سلوكه مع أهل بيته عن أقاربه عن الغرباء، ليس لديه سياسة خارجية أو داخلية، وقد يقول البعض: نعم هناك سياسة داخلية وأخرى خارجية لدى الأفراد والدول، فسياسته مع المقربين تختلف عن سياسته مع الغرباء، وعلى كل حال، هذا لا ينفي أن الإنسان هو الأسلوب وإن اختلفت سلوكياته، كما لا ينفي أن الدولة هي الأسلوب وإن اختلف سلوكها، وكثيرون يعتقدون أنه لا بد من اختلاف بسبب القرابة والغرابة.
حين قيل بأن الإنسان هو الأسلوب، كان الجانب الإيجابي يطغى على هذه المقولة، أي أن الإنسان صاحب العلم والمعرفة والأدب والفهم والتفهّم والاستيعاب والمبادرة والتسامح والعطاء والخيّر، لا بد أن يكون سلوكه حضارياً ومدنياً وإيجابياً ومقبولاً من غالبية الناس، ويُجازى ويُكرّم ويُمدح من الناس، وبالتالي فإن عبارة الإنسان هو الأسلوب هي نتيجة تلك القيم والمبادئ، وكذلك الأمر إذا كان الإنسان عدوانياً، جافّاً شريراً حاقداً غير مبادر، سيُطلق عليه قول الإنسان هو الأسلوب، لكن التغذية الراجعة تختلف وتتحول إلى عبارة أخرى تقول: الإنسان ينضح بما فيه، وحتى هذه العبارة يمكن تحميلها إيجابياً، لأن كل إنسان ينضح بما فيه.
ولكننا لا نستطيع القول عن الدولة: الدولة تنضح بما فيها، لأن الدولة عبارة عن مؤسسات ووزارات وقوانين ومسؤولين، فإن صلُحت كانت (تنضح بما فيها) وإن فشلت فإنها كذلك تنضح بما فيها. ولكننا هنا نود التركيز على الجانب الإيجابي في الإنسان والدولة على أنهما الأسلوب، فإذا علمنا ما يحدّد إيجابية الإنسان، فما الذي يحدّد إيجابية الدولة: متى يجب أن نقول إن الدولة هي الأسلوب؟
وكما قلنا في سياق سابق إن الدولة هي المؤسسات والوزارات والهيئات والمسؤولون، وهذه الكيانات التي تشكّل أساس الدولة تُدار بواسطة مديرين ووزراء، هم الذين يطبّقون القانون داخل مؤسساتهم وخارجها، وأعني مع المراجعين والزبائن والمجالات التي يخدمونها، وهناك وزارات تُعنى بتطبيق القوانين والمبادئ والسياسات على الخارج، أي الدول الأخرى، وهي وزارات الخارجية والدفاع والاقتصاد، ومنها من هو مسؤول عن السلام والحرب، وعليها تقع الإدارة المحنّكة، التي يسمونها بالدبلوماسية، فهل عدنا نتيجة هذا التفصيل إلى أن الإنسان هو الأسلوب، بمعنى أن الأسلوب هو الذي يحدّد إنسانية الإنسان؟ وبتوضيح أكثر، يمكننا أن نطلق على المسؤول: الإنسان هو الأسلوب؟ رغم أنه يطبّق أموراً لا علاقة لها بطبعه ومزاجه.
إن الممارسات التي تتّبعها الدولة، إن كانت حضارية أو همجية، إنسانية أو توحّشية، سلمية أو عنيفة، ونعني بها معاملة الإنسان، هي التي تحدّد إن كانت الدولة هي الأسلوب، أو كل إناء بما فيه ينضح. والممارسات هي نتيجة تطبيق القانون، والقانون نتيجة واضعه، فإن كان إنسانياً متقدّماً يحرص على العدل والعدالة والمساواة ويبتعد عن الظلم، فإن ذلك سيخلق ممارسات آمنة وسلمية، لا أحد يُظلم، ولا أحد تُصادر حقوقه.
هل، بناء على ما تقدّم، يمكننا القول إن الإمارات هي الأسلوب، وليس كل إناء ينضح بما فيه؟ رغم أنه يمكننا استخدام العبارتين بالمعنى الإيجابي.
نحن، الإماراتيين، قد لا نشعر كثيراً بالنعمة التي نتمتع بها، أمن وأمان ودولة قانون، وفرص عمل ورخاء ونجاحات، وننظر إلى هذه العناصر على أنها بدهية، ويجب أن نكون كذلك، لكننا، سنكتشف قيمة ما نحن فيه إذا ما استمعنا للآخر، ولا أعني المقيم، لأن المقيم اعتاد، مثله مثل المواطن، على هذه الحياة، وأعني بالآخر، غير المواطن وغير المقيم، الآخر هو الذي يعيش خارج الإمارات، إن كان في الدول المتقدّمة أو في العالم الثالث، فإن سألته أو استمعت إليه فإنه سيقول لك: يعجبني أسلوب الحياة في الإمارات، ويمكننا وضع خطوط كثيرة تحت كلمة (أسلوب)، وكلنا يعلم أن الأسلوب ناتج عن إدارة البلاد بحكمة ومحبة واحترام، وانتقل هذا النموذج القيادي إلى الناس، فصارت الإمارات هي الأسلوب.

[email protected]