د. منصور جاسم الشامسي*

إن بلوغ مستقبل أفضل للعلاقات الإقليمية والدولية، ولأجل حفظ طاقات الحياة، ومنع سير المنطقة والعالم للقتال الشامل، يستدعي
نقد «أيديولوجية الحروب المستقبلية» ومجابهتها بعمل إقليمي - دولي - تشاركي، يأخذ موقف الحياة، والاستثمار في السياسة، وحل الحروب والنزاعات القائمة، دبلوماسياً.
قال ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي: «اليوم، أصبح (الناتو) في وضع أفضل بكثير لإظهار القوة العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية إلى درجة لا يمكن لخصومنا أن يحلموا بمعادلتها، ما يضمن ردع الحروب المستقبلية». وفي 5 سبتمبر/أيلول الماضي، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمراً تنفيذياً ينصّ على تغيير اسم وزارة الدفاع إلى «وزارة الحرب»، ورحّب الوزير هيغسيث الذي أصبح «وزير الحرب» بالتغيير، وقال: «سننتقل إلى الهجوم وليس فقط إلى الدفاع. أقصى قدر من الفتك وليس إلى الشرعية الفاترة».
«الحروب المستقبلية» تتجاوز معناها التقني كونها «التكنولوجيا المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية والأنظمة المستقلة والأسلحة الكهرومعناطيسية»، إلى أنها «أيديولوجية» تصوغ «الوعي» و«المستقبل» بالحرب، وتقود إليها، وتخلق خصماً
أو «عدواً وهمياً»، تنشأ أوضاع مشؤومة حول نمو العلاقات بين الدول، تجد للحرب حجتها، وتضمر ممارسات وهجمات كراهية واجتياحات عسكرية، وتدفع العالم نحو الاستقطاب السياسي من خلال المغالاة في تصوير «نظرية التهديد»، وتصنع شكاً وعدم ثقة يتحولان إلى احتكاكات ومواجهات واشتباكات عسكرية، وتعزز «عسكرة» السياسة، وتنتج رأياً عاماً قابلاً للاشتعال، وتروج للصراع أساساً للعلاقات الدولية، بينما أساسها «ميثاق الأمم المتحدة»، حيث وضع العالم السلمي المجمع عليه، «ميثاق الأمم المتحدة»
و«القانون الدولي» عام 1945، بعد تضحيات بشرية، لأجل الوئام والسلام الحقيقي. وهما يعالجان مسائل «الحرب» و«السلام» و«الاستقلال» و«السيادة»، بموضوعية، وفق قواعد سياسية، قانونية، إنسانية، أخلاقية، طبيعية، ويفسحان المجال لوسطاء ودعاة ومنظمات السلام للمساهمة، وهذا يحتم ضرورة مساندة الأمم المتحدة ولغتها الأدبية والحوكمة العالمية.
المفاهيم الإيجابية مثل: التعايش السلمي، المنفعة المتبادلة، الأمن الجماعي، التنمية المشتركة، السلامة الاجتماعية، تراجعت أمام «أيديولوجية الحروب المستقبلية» التي تدعم «اقتصاد الصناعة العسكرية» والذي يسوق لها، ليس من منطلق القدرة على «التنبؤ العلمي» و«الاستشراف المستقبلي»، بل من «الفكرة الوهمية» و«التفسيرات الخاطئة» في السياسة والتاريخ، والسياسات التوسعية، المؤدية للتسلح والاستثمار في الحروب. وقد زادت التعزيزات العسكرية، وارتفع حجم الإنفاق العسكري، عالمياً، في حين أن خدمات عامة، وبرامج تنموية، صحية، تعليمية، اجتماعية، بيئية، وبحثية علمية، في العالم، تعاني عدم أو قلة التمويل.
الدول الآسيوية والإفريقية والأمريكية اللاتينية، عالم الجنوب، الدول النامية، المستعمرة سابقاً، أغلبية المجتمع الدولي، دول محبة للسلام، منشغلة بالبناء الاقتصادي وتنمية الموارد البشرية وتحقيق الجودة والكفاءة الشاملة في الأعمال والحياة – وليس الحرب – ومعالجة مشاكل البطالة والفقر والديون والبيئة والبنية التحيتة والتفاوتات الاقتصادية والعنف والفساد. موازناتها العسكرية، غالباً، دفاعية، لا تقارن، بحجم الإنفاق العسكري للدول الصناعية الكبرى، وتسلحها، كماً وكيفاً.
العالم يشهد حروباً «باردة» و«محدودة» و«توترات جيوسياسية» على حافة، أن تكون حروب «شاملة» و«مستدامة» و«مستقبلية»، بين الولايات المتحدة وحلف الناتو من جهة وروسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران وفنزويلا وأفغانستان وكولومبيا وكوبا من جهة ثانية، فهذه النزاعات «غير ضرورية»، بها «تضليل»، «تشوهات» معرفية، قلب لحقائق واقعية. تقول الباحثة الأمريكية (ميغان راسل): «لنتخيل أن الولايات المتحدة تحاصرها قواعد عسكرية أجنبية معادية، وأن هناك دولاً تجري مناورات عسكرية، تحاكي حرباً نووية مع الولايات المتحدة، حولها، ماذا ستكون ردة الفعل الأمريكية؟» في يناير 2024 أجرى (الناتو) أكبر مناورة عسكرية في تاريخه، وفي فبراير 2025 نفذ (الناتو) أكبر مناوراته القتالية لعام 2025، وفي المحيط الهادئ وبحر الصين تنفذ الولايات المتحدة بالمشاركة مع حلفائها مناورات بحرية عسكرية، وأثارت مناوراتها المشتركة مع الفلبين في بحر الصين الجنوبي في 24-25 مايو 2025 غضب الصين كونها جرت في مناطق بحرية متنازع عليها بين الصين والفلبين.
وفي إبريل 2025 أجرت الصين مناورات «رعد المضيق 2025» وشملت محاكاة لحصار تايوان وتوجيه ضربات دقيقة إلى منشآت استراتيجية.

[email protected]