د. ناجي صادق شراب

الاحتجاجات التي شهدتها أمريكا تحت شعار «لا للملوك ولا للدكتاتورية» وقابلها ترامب بالسخرية، ليست مجرد احتجاجات عابرة، بل تعبّر عن حركة لليسار ممتده تعود لأواخر ثمانينات القرن التاسع عشر، وتطورت مع ستينات وسبعينات القرن الماضي ووصل عدد من أعضائها للكونغرس، وجسدتها خطابات الرئيس أوباما، واليوم تعبّر عن نفسها على المستوى المؤسساتي والفكري والنخبوي وجيل من الشباب يُعرف ب«زد وألفا»، كرد فعل على تغول الرئيس ترامب وبروز ظاهرة (الشخصانية) على حساب (المؤسساتية)، وتنامي الاتجاهات الشعبوية البيضاء العنصرية التي جاءت على حساب حقوق الأقليات.
هذه الحركة هدفها استحضارُ ما حرص عليه المؤسسون الأوائل على وجود نظام الجمهورية الرئاسي الذي يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، وتفادياً لتغول كل سلطة في سلطاتها أخذاً بمبدأ (الكوابح والجوامح) بين السلطات بما يحول دون تمادي أي سلطة في ممارسة سلطاتها من دون مشاركة السلطة الأخرى في سلطاتها، هنا لا بد من طرح السؤال: أين تكمن قوة الرئيس ترامب؟ هل في شخصيته وشعبويته أم في العلاقة القائمة الآن بين السلطات الثلاث؟
قوة الرئيس تكمن في سيطرة الحزب الجمهوري على الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ وتراجع دور الحزب الديمقراطي، وهذا يعطي للرئيس ترامب قوة استثنائية يحمي نفسه بها، ويضمن تمرير ما يريد من قرارات، وزيادة هيمنته على السياسة الخارجية.
فالأصل في النظام السياسي الأمريكي أنه نظام رئاسي، فلقد حرص المؤسسون على أن يكون لأمريكا رئيس واحد قوي ولكن ليس دكتاتورياً، يجسد مفهوم الأمة الأمريكية الواحدة، ويعبر عن كل أمريكا بكل مكوناتها وليس عن العنصر الأبيض فقط باعتبارها أمة مهاجرين. وتبرز مقومات قوة الرئيس الأمريكي من خلال محددين اثنين، فهو وعلى خلاف كل أعضاء الكونغرس وحكام الولايات ينتخبون على مستوى الولاية، أما الرئيس الأمريكي فهو الوحيد الذي ينتخب على مستوى كل الولايات وكل الشعب الأمريكي في انتخابات تُجرى كل أربع سنوات، ويحق له التجديد لمرة واحدة فقط، والمحدد الثاني أن محورية الرئيس ومؤسسة الرئاسة تجسدت في الدستور الذي حصر كل السلطة التنفيذية في شخص الرئيس فقط، وتعمل كل المؤسسات الإدارية والتنفيذية في خدمته، فهو الذي يختار حكومته التي تعمل تحت إشرافه وتكون مسؤولة أمامه وليس أمام الكونغرس، فمتى شاء يقيل، ومتى شاء يعيِّن.
ومن مظاهر قوة الرئيس أيضاً الصلاحيات والسلطات التي منحها له الدستور في كل السلطات التشريعية والقضائية، فهو رمز الأمة، ولا يصبح مشروع القانون قانوناً إلاّ بمصادقته عليه، ويقوم بتعيين قضاة المحكمة العليا، ومن مصادر قوته أن الكونغرس لا يملك صلاحية إقالة الرئيس إلا من خلال إجراءات مطولة ومعقدة ومحاكمة شائكة وبأغلبية ثلثي الكونغرس، إلى جانب هذه السلطات يعتبر المسؤول الأول عن إدارة السياسة الخارجية والقائد الأعلى للقوات المسلحة.
وتخوفاً من المؤسسين أن يسيء الرئيس هذه السلطات وتحوله إلى دكتاتور أوملك مطلق الصلاحية يهدد وحدانية الأمة الأمريكية ويعرضها للتفكك، فقد حرصوا على وضع نظام (الكوابح والجوامح) الذي يحكم العلاقة بين السلطات الثلاث، فالرئيس الأمريكي ورغم كل سلطاته لا يستطيع أن يمارسها من دون موافقة الكونغرس، فعلى سبيل المثال لا موازنة من دون موافقة مجلس النواب عليها، ولا موافقة على المعاهدات الدولية من دون موافقة مجلس الشيوخ، ومن القيود المفروضة على الرئيس دستورياً أنه لا يحكم لأكثر من فترتين رئاسيتين أي ثماني سنوت متتالية، ولا يمكنه أن يحكم لفترة رئاسية ثالثه إلا بتعديل الدستور الذي يحتاج لأغلبية أعضاء الكونغرس وهنا التخوف من رغبة ترامب في الرئاسة الثالثة إذا استمرت سيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الكونغرس بما يحقق هذه ألأغلبية، وبالعودة للرئيس ترامب نجده يدفع في هذا الاتجاه من خلال سعيه الحثيث لتغيير بنية النظام السياسي وتوغله في ممارسة صلاحياته بما يتجاوز الحدود الدستورية، وتبقى كل الاحتمالات قائمة حتى الانتخابات النصفية للكونغرس العام المقبل التي ستقرر إلى أين يسير الرئيس ترامب.

[email protected]