جابر محمد الشعيبي*
لم تعد المدن الذكية في الخليج مجرّد طموح معماري أو استعراض تكنولوجي، بل أصبحت سياسة اقتصادية متكاملة تهدف إلى رفع الكفاءة وتنويع الدخل وتحسين جودة الحياة.
فبين «مصدر» في أبوظبي و«نيوم» في السعودية و«مدينة الشارقة المستدامة»، تتجه المنطقة نحو نموذج حضري جديد يرى في التقنية وسيلةً للتنمية لا غاية للعرض.
في الماضي كانت المدن الذكية تُقدَّم على أنها مشروعات رفاهية تزيّنها الأبراج الزجاجية والمباني الذكية، لكن المفهوم تغيّر جذرياً. أصبحت التقنية اليوم أداة للكفاءة الاقتصادية وإدارة الموارد بكفاءة عالية.
فالحكومات الخليجية توظّف البيانات والطاقة المتجددة لتقليل التكاليف وتحسين الأداء العام، في أبوظبي مثلاً، أتاح التحول الرقمي في إدارة المياه والطاقة والنقل تحقيق وفورات تشغيلية تجاوزت 20% في بعض المناطق، كما أسهم استخدام الذكاء الاصطناعي في مراقبة البنية التحتية في تقليل الأعطال وتحسين مستوى الخدمات.
وتشير تقديرات «فروست آند سوليفان» إلى أن القيمة الاقتصادية للمدن الذكية في الخليج ستتجاوز 300 مليار دولار بحلول عام 2030، لتصبح المنطقة واحدة من أسرع الأسواق نمواً في العالم في هذا المجال.
تمثِّل أبوظبي نموذجاً متقدّماً في الانتقال من مفهوم «المدينة الذكية» إلى منظومة اقتصادية متكاملة للابتكار، فمنذ انطلاقتها عبر مشروع «مدينة مصدر»، أرست الإمارة رؤية تقوم على الطاقة المتجددة والبحث العلمي وريادة الأعمال الخضراء، لتتحول اليوم إلى مركز عالمي للمعرفة والابتكار المستدام، ومع تأسيس «مجلس التحول الرقمي» و«منصة الذكاء الاصطناعي الحكومية»، أصبحت البيانات في أبوظبي أصلاً اقتصادياً يُدار بمنهجية دقيقة تحقق الكفاءة المالية والشفافية في الخدمات، وأسهم ذلك في تعزيز تنافسيتها ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 56%، بحسب بيانات مركز الإحصاء– أبوظبي (النصف الأول 2025).
أما الشارقة، فتقدّم تجربة رائدة تدمج الذكاء بالاستدامة من خلال «مدينة الشارقة المستدامة»، التي أُطلقت ضمن شراكة بين هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) وشركة «دايموند ديفلوبرز»، لتجسّد مجتمعاً منخفض الكربون يعتمد على الطاقة الشمسية وإعادة تدوير المياه والنفايات، باستخدام أنظمة ذكية تقلل الانبعاثات بنسبة تصل إلى 50%، وفق تقرير هيئة كهرباء ومياه الشارقة لعام 2024. وتُظهر التجربة كيف يمكن تحويل الاستدامة من خيار بيئي إلى نهج اقتصادي متكامل يسهم في خفض الانبعاثات وتعزيز كفاءة استهلاك الموارد، انسجاماً مع توجهات الدولة نحو الحياد المناخي بحلول عام 2050.
هذه المدن لا تعمل بمعزل عن محيطها، بل تنتمي إلى منظومة اقتصادية خليجية أوسع ترى في التحول الرقمي محوراً للتنويع الاقتصادي، فهي ليست مشاريع عمرانية بل مختبرات لتجريب سياسات جديدة في الطاقة والنقل والحوكمة الرقمية. ومن خلال التكامل بين المدن الخليجية، تتشكل شبكة إقليمية لتبادل الخبرات في مجالات المدن الخضراء والذكاء الحضري وإدارة البيانات السيادية، بما يعزز المكانة التنافسية للخليج في الاقتصاد العالمي، لقد غيّرت المدن الذكية أيضاً مفهوم الحوكمة، فالحكومة لم تعد جهة تنفيذية بطيئة القرار، بل أصبحت كياناً تفاعلياً يستند إلى البيانات والذكاء الاصطناعي في تحليل احتياجات السكان وصياغة السياسات، وفي الإمارات، يتم تحليل مؤشرات الرضا ونمط المعيشة في الزمن الحقيقي لتحسين التخطيط الحضري والخدمات، ما يجعل الكفاءة الإدارية شكلاً جديداً من أشكال الرفاه.
إن التجربة الخليجية، وفي مقدمتها الإمارات، تبرهن أن رفاهية المدن الحديثة لا تُقاس بجمال الأبراج، بل بقدرتها على تحويل البيانات إلى قيمة اقتصادية ومعيشية، لقد تجاوزت المنطقة مرحلة (الترف التقني) إلى مرحلة (الكفاءة الاقتصادية)، حيث تصبح المدينة الذكية عقلاً اقتصادياً متكاملاً يُدير الموارد ويولّد فرصاً للنمو والاستدامة في آنٍ واحد ومن هنا، فإن تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير حلول ذكية محلية الصنع، وبناء منظومات وطنية موحدة للبيانات تضمن حوكمة رقمية فعالة، والاستثمار في رأس المال البشري عبر التعليم والبحث التطبيقي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتخطيط الحضري، كلها خطوات أساسية لترسيخ هذا التحول، فالمدن لا تُدار بالتقنية وحدها بل بالعقول القادرة على توجيهها.
وكما عبّر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في أحد توجيهاته: «هدفنا أن نحافظ على ريادة الإمارات وأن نبني اقتصاداً يقوم على المعرفة والابتكار، ليبقى الإنسان في قلب التنمية وأساسها»، هذا التوجه يجسّد روح «رؤية الإمارات 2071» التي ترى في الذكاء والاستدامة ركيزتين لمستقبل مزدهر. وهكذا تغدو المدن الذكية أكثر من إنجاز عمراني، إنها تعبير عن رؤية حضارية تجعل من الكفاءة الاقتصادية والابتكار المستدام طريقاً نحو الرفاه الوطني والسيادة التنموية في القرن الحادي والعشرين.
* كاتب وباحث إماراتي