د. نسيم الخوري

هناك مثل إفريقي رائع يقول: «إذا كان الإنسان مستقيماً وعصاه ملتوية، فستكون خطاه قطعاً متعرجة وغير ثابتة، وإذا كانت متعرّجة والخطى مستقيمة فستكون الخطوة مستقيمة». ينطبق المثال على الأوضاع المُعقّدة التي يعيشها اللبنانيون بأحزابهم وطوائفهم المتعددة ومواقفهم، المحلية والمستوردة على السواء، لا المحلية وحسب. يقوى الاحمرار في العين اللبنانية التي لا تنام، محدّقةً بعين الأشقاء العرب كما بالعين الأمريكية العالمية. أستعملُ العين هنا بصيغة المفرد، باعتبار أنّ غزّة غزت وخطفت العيون العالمية وجعلتها بصيغة المفرد، تجاوزاً للمسافات والثقافات والمواقف والسياسات وعبر الشاشات المُضيئة أبداً، تتبّعاً للمحاولات والأفكار الدولية التي كانت شبه مستعصية، فتوقف النزف بانتظار الغد. أخاف على العيون اللبنانية مع تحوّلات المشاهد المثقلة بالدماء والكوارث والنزوح من جنوبي لبنان خضمّ الطرق والمسالك السياسية والعسكرية والطائفية والمذهبية الوعرة، لا سياسياً وحزبيّاً بل عسكريّاً بما يؤرّق اللبنانيين والأشقّاء العرب، بهدف ضبط العين العالمية وتحديداً الأمريكية في مستقبل لبنان.
يولّد العنف الهائل في الحروب، فيما يناقض منطق العصر- قلقاً عربيّاً وإسلامياً يجعل بعض العرب يفارقون الشعوب الأخرى حيال إلصاقهم اللزج تاريخياً بالإرهاب في الصراع العربي الإسرائيلي. يبقي السؤال هنا يقظاً: ما خلفيات العنف المتبادل ودوافعه وأشكاله ونتائجه المذهبية العفوية بل المستوردة، خاصةً بعدما انجذبت إليه البشرية في غزّة التي فقأت عين الدنيا بفظائعها عبر وسائل الإعلام في عصر الفضاء الحر المفتوح، وكأنّنا استيقظنا كما قال لي زميل فرنسي: «نعيش كأننا في العصر الحجري السحيق، إذ يُستبدل الحجر اليوم بالقذيفة».
يسوقني التفكير هنا نحو ما يتردّد في التمييز بين الدين والتديّن، انطلاقاً من أدبيّات التحدّيات والأزمات، إلى التديّن المشحون بالعفوية الساذجة أو المصطنعة التي تشبك الدين بالدنيا، توفيراً للحماية الاجتماعية، نحو المُغالاة في التجذّر والانغلاق الطائفي والمذهبي والاجتهادات، لا في جوهر الدين كما يحصل ويقوى في لبنان على سبيل المثال. هذا أمر لا يليق بالعصر، إذ تصبح الأديان ذات النبع الإلهي الواحد خلاصاً للإنسان من تعقيد الفلسفة، منذ الهند واليونان وبعدما صار بالإمكان استيلاد الأجوبة على الأسئلة الكبرى في الدين والدنيا والحضارة المعاصرة والحكم المعاصر، لأن العقل قادر على ابتكار الإجابات التي تَنْهَض بالشعوب في تطوّر سليم، وحتى قفزاً وتطوراً، تجنيباً وحمايةً للأوطان من أقسى الكوارث والقتل والتخريب.
كثيرة وعائبة للقرن الراهن بلا ريب، تلك النكبات والكوارث والخسائر المعاصرة المتراكمة في لبنان وغزة والسودان وغيرها.. تجديداً للالتصاق بالأحكام والاجتهادات المتعدّدة التي احتلّت استراتيجيات الدول العظمى في الغرب والشرق وشغلتها وستشغلها أكثر مع الرئيس ترامب في ولايته الثانية المسكونة بالكرة الأرضية، إذ تتزاحم الأفكار والعلاقات والرؤى باستراتيجيات البحث عن الثروات والكنوز وإطفاء الحروب المعاصرة المُعقّدة.
وهنا يقف أمامنا السؤال: كيف بدت بل كيف تبدو وستبدو صورة الولايات المتحدة اليوم عبر وبعد مشاهد حضور ترامب مباشرة في غزّة ولبنان والكوريتين وإيران وغيرها بعد غزّة ولبنان؟ ولماذا هذا الطموح الكوني الأمريكي المُصطحب بخطبٍ ومواقف لا تنتهي برفض سياساتها والبحث في مقاصدها؟
لِنَقُلْ إنّها دولة عظمى عالمية تتقدم إلى ما يتجاوز مساحتها وطموحها، بعدما سبق وارتاحت أساساً من الخطر الشيوعي الأحمر. هكذا ينتصب البحث المُحرج والمعقّد عن ماء العولمة التي تغمر الدنيا اليوم باعتبار أن الغاز والبترول سيبقيان كَلَأ شعوبها المتنبّهة في العالم، تقفّياً لخطى الدول الكبرى وأحلامها وسياساتها وشفاه مسؤوليها، وأقواهم جذباً ومتابعةً اليوم، خارج المكبوت والمُعلن، الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية من القدس إلى غزة وفلسطين وإسرائيل ولبنان وإيران والشرق الأوسط الجديد، بحثاً عن صورة هذا الشرق الذي ينتظر الجميعُ ملامح استقراره في واقع العالم الجديد لا كما عرفناه في الأدبيات والخرائط. كان سقوط الاشتراكية أساساً يعلن إزالة العدو المشترك للغرب والمسلمين. وللتذكير فقط: جاءت النتيجة رسم إشارة الدفن للجدليات والاستراتيجيات الدولية مع كل ما رشح عنها من ثورات متنقّلة يستمرّ وقعها الدامي ليُذكّرنا بما تفوّه به لينين يوماً بعد عودته من منفاه بأن «أياماً لا عقوداً قد تصنع التاريخ البشري الجديد».

[email protected]