علي قباجة

أخذت التحركات الروسية - الأمريكية النووية أبعاداً جديدة، أكثر حدة وتصعيداً، بعدما بات هناك سباق تسلح واضح بين الدولتين في مجال أسلحة الدمار الشامل. فقد خرج قادة البلدين بمواقف خطرة تبنت كل منها خطوات عملية لتطوير الترسانتين النوويتين، ليس من حيث عدد الرؤوس النووية - فهما تمتلكان ما يكفيهما - بل من حيث التحديث التكنولوجي وتطوير صواريخ قادرة على حمل هذه الرؤوس من دون أن يتم اعتراضها.
هذا التصعيد لا يستهدف بالضرورة التصعيد الميداني، بقدر ما هو بروباغندا تهدف إلى الترهيب والحفاظ على توازنات الردع والخطوط الحمراء التي لا يرغب أي طرف في أن يتجاوزها الآخر. فحين أعلنت روسيا عن تطوير صاروخ «بوريفيستنيك» العامل بالطاقة النووية، والذي لا يمكن اعتراضه، كان الهدف إيصال رسالة نارية، وتذكير للولايات المتحدة وأوروبا بأنها دولة تمتلك تكنولوجيا نووية «غير سلمية» متقدمة، وأنها قادرة - في لمح البصر - على زرع الدمار في كل من يحاول تهديد أمنها أو يسعى لهزيمتها عبر البوابة الأوكرانية من قبل النخب الأوروبية. ولهذا فإن بوتين أشار إلى أن سفينة استطلاع تابعة لحلف الناتو كانت متواجدة بشكل دائم في منطقة اختبار الصاروخ، مؤكداً أن روسيا لم تتدخل في عمل تلك السفينة الاستطلاعية، في رسالة واضحة للحلف مفادها أن قدرات روسيا غير محدودة.
يضاف إلى ذلك أن العقيدة النووية الروسية قد تبدلت أيضاً، فبعدما كانت دفاعية - بحيث يقابل الهجوم النووي برد نووي مماثل - أصبحت موسكو اليوم لا تفرق بين الهجوم التقليدي والنووي، إذ تعتبر أن أي تهديد لوجودها أو خطر قد يؤدي إلى هزيمتها الساحقة، يستدعي استخدام مخزونها من أسلحة الدمار الشامل دون تردّد. وهذا يعني أن أيّ تصعيد في أوكرانيا يزعج روسيا، أو أيّ هجوم ولو محدود على أراضيها، قد يقابل برد مدمر.
في المقابل، التقطت الولايات المتحدة الرسالة، فخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصرحاً بأن بلاده تملك ما يكفي من الأسلحة النووية لتدمير العالم 150 مرة. وذهب إلى أبعد من ذلك حين أعلن أنه وجه وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لاستئناف تجارب الأسلحة النووية «على قدم المساواة» مع روسيا والصين، قبل أن يستدرك لاحقاً على لسان وزير الطاقة الأمريكي بأن تلك «التجارب» لن تشمل تفجيرات نووية كاملة، بل ستكون اختبارات للأنظمة أو لمكوّنات الأسلحة النووية.
ومع هذا الاستعراض المتبادل للقوة، تتمحور المخاوف اليوم حول مدى تصاعد حرب التصريحات بين الطرفين، وما إذا كانت قد تتطور إلى صدام كارثي في لحظة يرتكب فيها أحد الجانبين خطأً ما. خصوصاً في ظلّ وجود فاعلين آخرين على الساحة، مثل الصين وكوريا الشمالية الداعمتين لروسيا، في مقابل الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية المتحالفة مع الولايات المتحدة.

[email protected]