نبيل سالم

لا تعدم الولايات المتحدة الوسيلة، لإيجاد مبررات للحروب التي تشعلها هنا وهناك، وافتعال الأزمات مع الدول التي لا تروق لمزاجها السياسي، والتي لا تتماشى مع مصالحها الاستعمارية على امتداد الخريطة العالمية، فالحجج والمبررات متوفرة وجاهزة دوماً، ففي جعبتها الكثير من الشعارات واليافطات المضللة التي ترفعها لتسوق من خلالها مخططاتها الاستعمارية، وتبرير الاعتداء على هذه الدولة أو تلك، ولتحقيق أهدافها في السيطرة على الدول الأخرى ونهب خيرات وثروات الشعوب.
فهي تارة تارة ترفع شعارات ذات طابع إنساني تتعلق بحقوق الإنسان، أو سياسية كالدعوة إلى الديمقراطية، أو مكافحة الإرهاب، أو القضاء على أسلحة دمار شامل مفترضة، كما جرى عندما قامت بغزو العراق في عام 2003، وقبلها عندما رفعت يافطة الدفاع عن الحريات إبان حقبة الحرب الباردة، التي سعت خلالها إلى تقويض المعسكر الاشتراكي، وتدخلها في الشؤون الداخلية للكثير من دول العالم وتغيير أنظمة الحكم فيها، بما يتماشى والتوجهات السياسية الأمريكية، وها هي اليوم تتهيأ للاعتداء على فنزويلا التي ترى فيها دولة معارضة لسياساتها، حيث تبدو العلاقات بين الطرفين متوترة للغاية، بسبب اختلاف الجانبين في الكثير من الأمور ولاسيما السياسية منها، ونفوذ النفط، والتحالفات الدولية.
ومع أن الخلاف الأمريكي الفنزويلي قديم جداً، إلا أنه تفاقم بشكل كبير في السنوات الأخيرة، مع وصول هوغو تشافيز صاحب الفكر اليساري إلى السلطة في فنزويلا، عام 1999، حيث أطلق بعد عام من تسلمه السلطة «خطة بوليفار 2000»، وهي برنامج لمكافحة الفقر، يشمل بناء الطرق، وبناء المساكن، والتطعيم الشامل وغيرها من الإصلاحات. لكن كل ذلك لا يعني شيئاً في نظر الولايات المتحدة التي تنظر إلى فنزويلا، باعتبارها أكبر احتياطي نفطي في العالم بامتلاكها أكثر من 303 مليارات برميل، ما يجعلنا ندرك الأسباب الحقيقية وراء المخططات التي تحيكها على هذا البلد المهم في أمريكا اللاتينية، كما تعتبر فنزويلا أيضاً ساحة تنافس جيوسياسي مع قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين، ما يزيد من تعقيد علاقاتها مع الولايات المتحدة.
ولعل هذا ما يعيد إلى الأذهان الأسباب الحقيقية للغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وقبلها الأزمة الكوبية التي كادت تجر العالم إلى حرب نووية في أكتوبر/تشرين الأول من عام 1962، بسبب قيام الاتحاد السوفييتي السابق ببناء قواعد صواريخ نووية في كوبا، وتبع هذه الأزمة كما هو معروف حرباً تجارية ضد كوبا فرضت فيها الولايات المتحدة، حصاراً كاملاً على الجزيرة، وراحت تحيك المؤامرات ضد الثورة الكوبية منذ ذلك الحين.
ما أشبه اليوم بالأمس، حيث تعد الولايات المتحدة سيناريو جديداً ولكن هذه المرة لفنزويلا ذات التوجهات اليسارية، في مشهد يبدو استنساخاً للأزمة الكوبية، حيث تدرس واشنطن توجيه ضربات إلى الأراضي الفنزويلية تستهدف ما تدعيه تجمعات المخدرات (الكارتيلات) التي تعتبرها تهديداً للأمن القومي الأمريكي.
لكن الحقيقة هي أن خلف الأكمة ما خلفها، وليست قصة تهريب المخدرات إلا ذريعة رأتها واشنطن الطريق الأنسب لتبرير عدوانها على فنزويلا، ليس لمكافحة تهريب المخدرات، وإنما لفرض سيطرتها على هذا البلد وتغيير النظام الحاكم الذي يترأسه نيكولاس مادورو.
ووفق تحليلات سياسية عديدة فإن واشنطن تخطط، لتوجيه ضربات داخل الأراضي الفنزويلية، تستهدف المنشآت العسكرية الفنزويلية بشكل مكثف، مع احتمال تكليف وحدات القوات الخاصة بالقبض على الرئيس مادورو ومحاكمته، رغم المخاطر الكبيرة التي يحملها هذا الخيار العسكري، واحتمال انزلاق الصراع إلى فوضى واسعة قد تمتد لسنوات.
أخيراً يمكن القول إنه ليس من المؤكد أن تقوم الولايات المتحدة بمغامرة عسكرية وشيكة ضد فنزويلا، لأسباب كثيرة أبرزها تحالفات فنزويلا الدولية والتعقيدات والتداعيات الجيوسياسية المعقدة التي قد تنتج عن هكذا مغامرة، لكن المؤكد أن واشنطن التي أدمنت إشعال الحروب لتحقيق مصالحها لن تتوقف عن استنساخ الأزمات واحدة تلو الأخرى، في سبيل تحقيق مصالحها.

[email protected]