رضا السميحيين
منذ أكثر من أربعة عقود، يشكّل معرض الشارقة الدولي للكتاب تظاهرة ثقافية بارزة في المشهدين العربي والعالمي، فالمعرض الذي يحتفي سنوياً بالكتاب والمعرفة، تجاوز حدود العروض والفعاليات ليصبح منصة لصناعة النشر، ومساحة مفتوحة للتفاعل بين المبدعين والناشرين والقراء، حيث تلتقي الثقافة بالتنمية، ويتجسد الدور الحقيقي للكتاب كقيمة فكرية واقتصادية في آن واحد.
ولعل المميز في تجربة الشارقة، أن رؤيتها تتعامل مع الكتاب باعتباره مكوّناً من مكونات الاقتصاد المعرفي، وعنصراً يوازي في أهميته القطاعات الإنتاجية الأخرى، ومن هذا الفهم، نشأت في الشارقة منظومة متكاملة تربط بين الثقافة والتنمية، وبين صناعة النشر والاستثمار في المعرفة، لتجعل من معرضها السنوي للكتاب نموذجاً عملياً لما يمكن أن نسميه «الاقتصاد الثقافي» أو «الاستثمار في الفكر».
وانطلاقاً من هذه الرؤية، عملت الشارقة على بناء بنية تحتية داعمة للناشر العربي، وتمكينه من أدوات الاستمرار والنجاح في سوق النشر العالمي، والتي تتسم بالتقلبات والتحديات، ولعل مؤتمر الناشرين الدولي، الذي يسبق انطلاق المعرض كل عام، أحد أهم مكونات هذه المنظومة، إذ يجمع المؤتمر المئات من الناشرين والوكلاء الأدبيين من مختلف قارات العالم، لبحث قضايا محورية في صناعة النشر مثل توزيع الكتب، والحقوق الفكرية، والتحول الرقمي، ومستقبل استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة النشر الإلكتروني.
ومن خلال هذا الإطار المهني، يتحول المعرض إلى منصة تفكير استشرافية تبحث مستقبل الكتاب عربياً وعالمياً، فبينما تواجه صناعة النشر في المنطقة تراجعاً في وتيرة النشر وانخفاضاً في معدلات القراءة وتحديات التسويق، تقدم الشارقة نموذجاً مختلفاً، يؤكد أن الكتاب لا يزال قادراً على البقاء والتأثير متى توفرت له البيئة الحاضنة والرؤية المستدامة.
إن القيمة الحقيقية لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، تكمن في أنه أعاد للمعرفة مكانتها كركن أساسي في التنمية البشرية، فالمعرض، بما يقدمه من برامج وفعاليات متنوعة، جعل من الإمارات مركزاً إقليمياً لتداول الفكر والثقافة.
اليوم، ومع الأرقام التي يعلنها المعرض عن العناوين الجديدة والمشاركات الدولية التي تتجاوز السبعين دولة، تتضح ملامح تحول نوعي في مفهوم معارض الكتب، فمعرض الشارقة أصبح منظومة إنتاج معرفي متكاملة تعمل على مدار العام، وهذا ما يفسر استمرار تأثيرها في المشهد الثقافي العربي والعالمي، رغم التحولات التكنولوجية المتسارعة واتساع الفضاء الرقمي.
وبهذا يؤكد المعرض، من خلال هذا المسار المتكامل الذي يجمع بين الثقافة والصناعة، أن الاستثمار في الكتاب هو استثمار في الإنسان أولاً، وفي المستقبل ثانياً، فالمعرفة التي تخلقها الكلمة وتدعمها الصناعة باتت اليوم من أبرز روافع التنمية المستدامة، ومن أقوى محركات النهضة العربية الممكنة.