اكتشفت مؤخراً، بل ومؤخراً جداً، أنه بعد عقود عديدة قضيت بعضها أدرس علوم السياسة، وقضيت أكثرها أعمل في جانب، أو أكثر من جوانبها وأعيش في دهاليزها، ما زالت تحدث أمور وتغيب، أو تحدث وتستقر، ويبقى فهمي لها متعثراً.
تشاورت مع طبيبة متخصصة حول احتمال أن يخف الذكاء أو يتراخى منهكاً، بعد عديد سنوات تشغيله. أنكرت هذا الاحتمال ورفضته طبياً وعلمياً. عدنا وزميل لي نسأل لنفهم، نسأل عن تفاصيل تتعلق بأمور أو قضايا ثلاث على الأقل.
* أولاً: أمر سوريا. أبدأ من حيث يجري آخر تطوراته وهو «الزيارة التاريخية» التي قام بها الرئيس أحمد الشرع للرئيس الأمريكي في البيت الأبيض. الطرفان صاحبا العلاقة هما اللذان اختارا لها الصفة التاريخية، هي الأولى منذ نحو ثمانين عاماً. ولكنها بالنسبة لهما، وربما للعالم بأسره، صفة مستحقة لأسباب لا علاقة لها بالزمن الطويل، بقدر ما هي مستحقة لأسباب غير مفهومة لنا، وربما للعالم كله.
نسأل ومن حقنا أن نسأل، لنطبق الإجابة عن أسئلة مشابهة عن رجال آخرين وجماعات أخرى كلهم وكلها موصوفة بالإرهاب، أو مدانة بارتكاب جرائم إرهابية. نسأل ولا أحد يجيب عن حقائق وخلفيات هذا الأمر السياسي الخطير.
نسأل، وسوف نظل نسأل، لأن سوريا أمر مختلف بالنسبة لمخططي الاستراتيجيات الإقليمية، وللمهتمين بمستقبل المنطقة. عندها بدأ قبل قرن الحديث عن إقليم عربي، وعند حدودها يبدأ الآن ولا ينتهي الحديث عن شرق أوسط جديد، وفي محافظة أو أكثر ينتقل الحديث عن إسرائيل الكبرى إلى ساحات التنفيذ.
* ثانيا: أمر غزة. قرأنا بيان أو اتفاقية، العشرين بنداً. وقرأنا عنه أو عنها. وتناقشنا حوله أو حولها. خرجنا بانطباعات شتى وأسئلة تغطي العشرين بنداً وما وراءها، ومن كتبها، ومن صاغها، ومن يأتمنها على ما يأمل أو يريد، وفي النهاية قررنا أننا لم نفهم تماماً المقصود منها. نتنياهو كان هناك، وفهمنا أنه حضر مرحلة، أو أكثر من مراحل صياغتها. نسأل هل حضر متفرجاً أم كان مشاركاً، ونسأل إن كانت تخصنا فلماذا لم نستشر في التحضير لها، ونشارك كما شارك الإسرائيلي؟.
نسأل عن حقيقة ما يعد لغزة منذ أن ابتدع جاريد كوشنر، زوج ابنة ترامب، فكرة غزة امتداداً أو استنساخاً لشاطئ الريفييرا الفرنسية، ريفييرا من دون شعب. حاولوا تهجيره طوعاً وفشلوا، وقسراً بالقتل والتجويع وتجنيد الميليشيات الإرهابية وفشلوا. لم يعلنوا بعد عن مصير من يبقى حياً في غزة. بيان العشرين بنداً لا يشرح ولا يفيد، حتى صار في نظر الناس وأصحاب القرار مصدر عذاب جديد وهمّ ثقيل.
تبلغت قبل لحظات وفي هذه الآونة المتأخرة من الكتابة، أن أمريكا قررت إقامة قاعدة عسكرية، تضم آلاف الجنود في موقع بإسرائيل قريب من حدود غزة. فهمت في البداية أن الغرض هو حماية اتفاق إطلاق النار من أجل تثبيته سلاماً يحسب للرئيس ترامب عند جماعة جائزة نوبل.
واقع الحال من التسريبات والتحليلات خلال الدقائق الماضية، يدفعنا لأن نتساءل، وإن كانت اللحظة لا تزال مبكرة، إن كان الهدف الحقيقي من إقامة القاعدة، هو حماية مراحل تنفيذ مشروع جاريد الاستثماري تحت عنوان منتجع شاطئ غزة ضد أي أعمال تخريبية متعمدة من الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. على كل حال وكما فهمنا لن تكون القاعدة لحماية إسرائيل ضد خطر خارجي، أراه تفسيراً بعيداً عن الواقع، لاقتناعي بأن إسرائيل لن تقبل بوجود ما يحد من حريتها في ممارسة غزواتها وحروبها الإقليمية القادمة.
أختم أسئلتي بسؤال متعدد الأبعاد والنوايا لم يصدر عني أمام أحد. أسأل، وأنا بالفعل في حيرة مختلطة بألم وحسرة، هل لو كان اجتماعنا -الصديق الدكتور علي الدين هلال وأنا- المقرر انعقاده في سنة 1978 تأجل سبعة وأربعين عاماً لينعقد في هذه الأيام وفي الظروف التي نمر بها الآن، هل كنّا اخترنا «النظام الإقليمي العربي» موضوعاً وعنواناً لكتابنا المشترك؟.
أمور في السياسة تعصى على فهمي
13 نوفمبر 2025 00:16 صباحًا
|
آخر تحديث:
13 نوفمبر 00:16 2025
شارك