قال لي ولدي الصغير، سيف، وهو يحاورني: لماذا لا نرد على الهجوم السلبي على دولة الإمارات على وسائل التواصل الاجتماعي؟ وكيف لا نواجه الحملة الموجهة ضد دولتنا، لاسيما فيما يتعلق بموقفها من الحرب في السودان وغزة وغيرهما؟
قلت له، وقد أخذني حماسه اللافت لنظر الأسرة جميعاً: سوف أرد عليك، لكن أخبرني كيف تعرضت لهذه القضايا؟ وهل تتداولونها فيما بينكم بالمدرسة؟
أجابني بأنه، وزملاءه، يتعرضون لهذه القضايا ليل نهار عبر وسائل التواصل الاجتماعي كافة، من «الواتساب» إلى الإيميل الشخصي، وأن التركيز الغالب لمعظم ما يصل إليهم يكون على الجانب العاطفي المتعلق بالاحتلال الإسرائيلي وممارساته البربرية في الأراضي الفلسطينية، وعلى الجانب الإنساني المتصل بمأساة الفلسطينيين في ظل الإرهاب الصهيوني، وعلى الجانب الديني المرتبط بحال المسلمين في السودان وغيرها. ومن ثم، تبدأ حملة القدح في الدور الإماراتي وشيطنة قادتها. وقد تحدثتُ مع ولدي طويلاً، وآليتُ على نفسي أنْ أُذيع مضمون هذا الحديث لعله يفيد بعض القراء من أولياء الأمور ومن الناشئة، أو يُحدث لهم بعض الأفكار والتساؤلات التي تُسهم في تعزيز «التحصين الأسري»، لاسيما بعد تخصيص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2026 ليكون «عام الأسرة». ورأيتُ أن أتخذ لهذا الحديث عنواناً مقتبساً من المقولة التاريخية التي نطقت بها الحكمة على لسان عبد المطلب بن هاشم، جد الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما واجه أبرهة الأشرم بجيشه العرمرم: «إن للبيت رباً يحميه».
وظني أن هذه المقولة تجسد اليوم فلسفة دولة الإمارات العربية المتحدة في إدارة ملفاتها الخارجية والداخلية، وهي فلسفة تقوم على الثقة في القيادة، واليقين في كفاءة المؤسسات، والالتزام بالمسار الرشيد الذي يحمي الوطن ويصون منجزاته بعيداً عن ردود الفعل السريعة والمتسرعة. فقادتنا وشيوخنا يعملون للمصلحة الوطنية دائماً، وأنهم أدرى منا بهذه المصلحة.
وثمة حملة ممنهجة تقودها خلايا «إخوانية» تزعم أن دولة الإمارات تدعم طرفاً على حساب آخر في الصراع السوداني، وهي مزاعم غير مؤسسة على أي دليل واقعي أو منطق سياسي. وهذه الحملة ليست إلا امتداداً لسلسلة من الحملات التي تعرضت لها دولة الإمارات بسبب موقفها الحازم ضد جماعة «الإخوان المسلمين» منذ ما عُرف ب «الربيع العربي».
إن الرد على هذه الحملة هو شأن سيادي ودبلوماسي تُديره المؤسسات الإماراتية بمهنية عالية، وتتعامل معها بحنكة بالغة. فدولة الإمارات لا تنخرط في سجالات الشوارع الافتراضية، بل تستخدم الأدوات القانونية والدبلوماسية والإعلامية الرصينة لتوضيح موقفها. وخير مثال على ذلك هو مواجهة الادعاءات حول دورها في السودان، حيث قدمت الدولة بيانات رسمية في مجلس الأمن توضح الحقائق وتفند الادعاءات، مؤكدة التزامها بالحل السلمي وضرورة محاسبة جميع أطراف الصراع التي تعرقل وصول المساعدات إلى أهلنا في السودان.
وهذا النهج يؤكد أن المطلوب ليس المواجهة المباشرة من قبل الأفراد، بل ترك المجال لقيادة تملك الحنكة الدبلوماسية والقدرة على بناء التحالفات الدولية لمواجهتها على أعلى المستويات. ولطالما دعت القيادة الإماراتية مواطنيها إلى عدم الانجرار إلى الجدل السياسي العقيم على وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم الانغماس في التناحر الذي يستهلك طاقة الفرد ويشوه رسالة الدولة السامية. وهذه الدعوة جزء أصيل من مبادئ المواطنة الإيجابية، والتي تجسدت في المبادئ التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم منذ عام 2017 حول ما يجب أن تتحلى به الشخصية الإماراتية في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها الإيجابية والاحترام والاحترافية، والعمل على دعم منجزات الوطن.
إن الوعي بخطر هذه الحملات المغرضة هو وعي متأصل في مؤسسات الدولة والمجتمع، فالمؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية تعمل بشكل مستمر وممنهج على تحصين المجتمع، وهو ما تجسد في مواضيع خطب الجمعة الأخيرة التي دعت إلى الابتعاد عن السلوكيات السلبية في وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا تتجلى أهمية الدور الأسري، الذي يوليه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أهمية فائقة، تتجلى في حرصه على مناقشته في الاجتماعات السنوية للحكومة، وتخصيص عام 2026 ليكون «عام الأسرة»، إيماناً من سموه بأن الأسرة هي خط الدفاع الأول عن الهوية والقيم الوطنية.
رسالتي إليكم، إلى كل رب أسرة إماراتي، إن واجبنا الوطني الحقيقي والأهم هو أن نترك الشأن الدبلوماسي لولاة الأمر، وأن نركز جهودنا على التحصين الداخلي، فالتحصين يبدأ من البيت، حيث تغرس قيم حب الوطن والولاء والانتماء والإيجابية في النفوس الغضة، وتُبنى شخصية المواطن الواعي والمدرك لحجم الإنجازات الوطنية. هو عمل أعظم وأجدى ألف مرة من مناكفة شركات ومؤسسات مأجورة تمولها تنظيمات فاسدة وكيانات حاقدة. ودعوا الشأن العام لولاة الأمر، فهم أهل الحنكة والكفاءة والأقدر على صون كرامة وسيادة الوطن.
«للبيت ربّ يحميه»
13 نوفمبر 2025 00:19 صباحًا
|
آخر تحديث:
13 نوفمبر 00:19 2025
شارك