يحيى زكي

بعد أن قرأنا مصطلحات جديدة مثل المجتمع الرقمي والعلاقات الرقمية، يصادفنا مؤخراً مصطلح الاقتصاد الرقمي الذي يعبّر عن نوع من الاقتصاد فائق الحداثة، كما أنه يلخص منظومة متكاملة من التحولات الاقتصادية صاحبتها تغيرات في القيم الإنسانية.
الاقتصاد الرقمي في الفضاء الإلكتروني يشبه إلى حد كبير تسوقنا في «مول» أو مركز تجاري، فالمول مصمم لجذب الانتباه، لا يترك فرصة للعين لكي تتجول بحرية في المكان، من دون أن يبيعك شيئاً، فالجدران إما مفتوحة على محال تجارية تنتمي إلى العلامات الكبرى أو مغطاة بإعلانات عن أحدث السلع والعروض، وفي الممرات هناك من يبيعك شيئاً مختلفاً، وكذلك الحال عند مداخل المول ومخارجه، هو أشبه بحصار الزائر من جميع الجهات، والأمر نفسه في الاقتصاد الرقمي الذي يسرق العين في العالم الافتراضي، لا يترك لك فرصة لالتقاط الأنفاس، فالدعاية تلاحقنا من جميع الجهات: البريد الإلكتروني ومواقع التواصل ومختلف التطبيقات، فكل شيء تحوّل إلى إعلان، وكل شيء قابل للتسليع.
في الماضي كنا نذهب إلى السوق لشراء ما نحتاج إليه، فقط، كانت الأسواق بسيطة ووظيفية وتخلو من وسائل المتعة والترفيه، في الأسواق التقليدية لم يكن هناك من يحاصرنا، كان التسوق آنذاك نشاطاً بسيطاً وسريعاً، أما «المول» فنظام مركب، ويمنحنا المتعة لكي ندفع أكثر وتتراكم الأرباح، وفي الفضاء الرقمي تم استنساخ «المول» بكل أبعاده وتقنيات عمله.
هنا لا يقع الإنسان أسيراً لفخ الرأسمالي وحسب، ولكن عقله يصاب بالتشتت، عقل افتقد القدرة على التركيز، ففي كل مكان إعلان وسلع وعروض علينا أن نتنقل بينها، وعلى الهامش تم اختراع عملات مشفرة لرواد الشبكة، وعلى الهامش أيضاً ولمزيد من جذب البشر ومداعبة أحلامهم أصبح الكثيرون يربحون من خلال فيديوهات ومقاطع مصورة، يتطلعون معها إلى «الترند». هنا الرأسمالية تواصل لعبتها وآلياتها من خلال الاستفادة من جميع رواد الشبكة: تاجر يروّج لبضاعته أو شخص ينتمي إلى الطبقات الوسطى والمهمشة ويأمل في تحسين أوضاعه الاجتماعية.
في داخل هذه السردية، بإمكاننا أن نلمح أن القيمة المركزية للعمل لم تعد الجهد والتعب أو الابتكار والإبداع، كان الربح في الماضي وتغيير المستوى الاجتماعي والطبقة يعتمد على كل هذه القيم، والسؤال الآن ما الذي ستستفيده البشرية مادياً أو معنوياً من فيديو سخيف لأحد المؤثرين؟ هنا نصل إلى قيمة أخرى مهمة تضخمت وهي التفاهة والسطحية والتي لا تخطئها عيون الأجيال الأكبر، بصفة خاصة.
إن تشتيت انتباه العقل بوسائل متعددة، ثم تسطيحه يصبّ في صالح ما كنا نشاهده من سنوات بوصفه خيالاً علمياً، ففي أفلام عدة كان المؤلف والمخرج وصناع الفيلم يتنبؤون بتغول الشركة وسيطرتها حتى على الدول، وهنا إذا أخذنا في الاعتبار أن الشركات الكبرى في العالم الآن هي التي تمزج الاتصال بالتقنية وفي خلفيتهما توحش الإعلان، وأن معظم هذه الشركات وأكبرها يقع في الولايات المتحدة الأمريكية لاتضحت لنا المنظومة التي يراد أن تهيمن على مستقبل البشر المنظور.