محمود حسونة
لم تسلم دول الدنيا من طموحات الكبار الساعين إلى فرض سيطرتهم ووصايتهم على الآخرين حول العالم، وتُعد قارة إفريقيا الأكثر معاناةً من الاستعمار، وبعد نيلها الاستقلال سعى الكبار لتغيير ملامح الهيمنة والتي اتخذت أشكالاً مختلفة، اقتصادية ودبلوماسية وحقوقية بل وإنسانية أحياناً، وبعد أن كانت أهداف الهيمنة واضحة في الماضي وهو التوسع والاستيلاء على الثروات وخلق امتدادات للمصالح إلى ما وراء البحار ليكون نفوذ الكبار عابراً للقارات ومتجاوزاً كل المعوقات الجغرافية، أصبحت اليوم أهداف الهيمنة ضبابية، يدّعون حماية الأقليات الدينية وهم الأكثر اعتداءً على قيم السماء، ويروجون أنهم حماة حقوق الإنسان حول العالم وهم الأكثر انتهاكاً لحقوق البشر والدول، يطالبون بإطلاق حرية التعبير والقبول بالرأي والرأي الآخر، وهم الذين يضيقون من كل منبر حر وكل رأي مختلف.
لعل أهم مميزات زماننا الذي يسّر التواصل بين كل سكان الكوكب أن البشر لم تعد تنطلي عليهم روايات الكبار وأصبحوا يدركون أن التدخل في شؤون الدول المستضعفة ليس هدفه صالح شعوبها ولا صالح الإنسانية ولا حماية الكوكب كما يروجون، ولكن هدفه الأوحد هو صالح هؤلاء الذين يخلقون ذريعة لكل ما يفعلون ويسوقونها إعلامياً رغم إدراكهم أن مصداقيتهم عند الرأي العام العالمي أصبحت في مهب الريح.
بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية كانت فرنسا الأكثر حرصاً على الاحتفاظ بنفوذ لها في إفريقيا، وهو النفوذ الذي أصيب بالضربة القاضية خلال الفترة الماضية بعد تزايد التنافس من الصين وروسيا على إفريقيا، وأيضاً تزايد الوعي السياسي عند الأفارقة الذين أصبحوا يرفضون كل ما يذكرهم بالمرحلة الاستعمارية، لينتهي الأمر بالانسحاب العسكري الفرنسي من عدة دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وما تبعه من تقلص للامتيازات الاقتصادية والتعدينية الممنوحة لفرنسا في هذه الدول.
الوجود الصيني الروسي في إفريقيا أسهم في تقليص النفوذ الفرنسي، وفي ذات الوقت استفز الولايات المتحدة التي لم تتقبل ترك إفريقيا بخيراتها ومعادنها وثرواتها الطبيعية غنيمة للتنين الصيني والدب الروسي، فكثفت من وجودها الدبلوماسي في بؤر الصراع المشتعلة في أكثر من دولة إفريقية، ويبدو أنها اكتشفت أن الدبلوماسية وحدها لن تحدّ من النفوذ الصيني المتصاعد بسرعة كبيرة في إفريقيا، فقررت دراسة البدائل التي تفرض من خلالها نفسها على الساحة الإفريقية، ووجدت أن تحرق مراحل التسلل الهادئ بفرض نفسها بالقوة العسكرية، من بوابة حماية الوجود المسيحي في نيجيريا.
لا حماية المسيحيين من تجاوزات الإرهابيين، ولا نيجيريا بذاتها، الهدف من التلويح الأمريكي باستخدام القوة العسكرية، ولكن الهدف هو محاصرة المد الصيني وخلق بؤرة جديدة للصراع مع كل من الصين وروسيا، بعد أوكرانيا وبحر الصين الجنوبي، بجانب احتفاظ أمريكا بسيادتها السياسية على الكوكب والاستفادة الأكبر من الثروات الطبيعية لهذه القارة البكر، وعدم السماح لآخرين أن يكونوا أكثر نفوذاً منها في أي بقعة حول العالم خارج أراضيهم، ولعلها تريد إبلاغ المنافسين رسالة مفادها «غير مسموح لكم أن تلعبوا وحدكم، إنما يمكننا اللعب سوياً على أن تكون لي المساحة الأكبر التي أتحرك فيها داخل الملعب».
أمريكا لم تختر دولة صغيرة ولا دولة ضعيفة لتستعيد من خلالها النفوذ المسلوب في إفريقيا، ولكنها اختارت نيجيريا، الدولة الكبيرة صاحبة أكبر كثافة وتعداد سكاني في القارة (نحو 230 مليون نسمة)، وصاحبة ثالث أقوى جيش بعد الجيشين المصري والجزائري، وصاحبة أكبر اقتصاد في القارة والذي يحتل المرتبة الرابعة والعشرين عالمياً.
يطلقون على نيجيريا «عملاق إفريقيا»، وقد تكون أمريكا اختارتها لتهديد الوجود الصيني فيها وفي إفريقيا بها حفاظاً على مصالحها الاقتصادية حيث إن أبوجا أكبر شريك اقتصادي لواشنطن في القارة، ورغم أنها اختارت التهديد باسم محاربة إرهاب «بوكو حرام» للمسيحيين هناك فإن نيجيريا أيضاً من أكثر الدول محاربة للإرهاب ولذا فإن أمريكا لن تستطيع تنفيذ تهديدها خصوصاً أن أي تدخل عسكري لن تقبله نيجيريا وستقاومه بكل السبل ما قد يضع أمريكا وقدراتها العسكرية في حرج، وسيسفر عنه حالة من الفوضى تتجاوز حدود القارة وتهدد السلام العالمي.