رضا السميحيين

لا يمكن الحديث عن معرض الشارقة الدولي للكتاب، من دون التوقف طويلاً عند فعاليات «الجلسات الحوارية» المتنوعة، التي أصبحت تشكل العمود الفقري لبرنامج المعرض الثقافي، فقد تحولت هذه اللقاءات الفكرية إلى قلب الحدث الثقافي، حيث يتقاطع الأدب بالفكر، ويعاد فيها تشكيل وعي جمعي يتفاعل مع النص والكاتب والفكرة، لتتحول الكلمة إلى فعل ثقافي يعكس التفاعل الإنساني والمعرفي ويجسد جوهر المشروع الثقافي الذي تتبناه الشارقة منذ عقود.
من يتصفح أجندة فعاليات المعرض يدرك أن السمة الأبرز للجلسات الحوارية تكمن في ثراء موضوعاتها وتنوع مساراتها، فهي تمتد من قضايا الأدب والسرد والفكر الإنساني، إلى أسئلة التقنية، والذكاء الاصطناعي، والاستدامة، والتحولات الاجتماعية الراهنة، هذا التنوع لا يعكس فقط اتساع اهتمامات المعرض، بل يكشف عن وعي عميق بدور المعرفة في دفع التطور الإنساني وصياغة المستقبل الثقافي، مؤكدةً أن الفكر لا يعرف حدوداً، وأن الحوار الإنساني هو اللغة المشتركة الأسمى في مشروع الشارقة الثقافي.
تتميز جلسات المعرض بقدرتها على تحويل الحوار إلى ممارسة ثقافية قائمة بذاتها، حيث تنتقل الكلمة من نص مكتوب إلى حدث يتشكل في ذات اللحظة، يتحاور فيه الروائي مع القارئ مباشرة، وحتى في الجلسات التي يتحاور فيها المبدعون بمختلف لغات العالم، تأتي الترجمة لتذكرنا بدورها المهم بوصفها وسيطاً بين التجارب والأفكار وبين المتلقي. إن هذه التكوينات المتعددة تثري الوعي العام، وتمنح الجمهور فرصة لتلقي المعرفة من منابعها، بعيداً عن وسائط التلقي التقليدية.
أما من زاوية الأثر، فيمكن رصد نتائج ملموسة لهذه الحوارات على المشهد الثقافي العربي، إذ تشكلت منها شراكات فكرية وإبداعية أثمرت مشروعات ثقافية لكتاب وباحثين من مختلف البلدان، مؤكدةً أن الحوار وتبادل الأفكار، هما جوهر التفاعل الإنساني بصرف النظر عن اللغة والعرق والانتماء.
يمكن القول: إن هذه الجلسات أسهمت في إعادة تعريف العلاقة بين المثقف والجمهور، ففي حين كان اللقاء بين الطرفين محكوماً سابقاً ب«بروتوكولات» المنصة، أصبح اليوم في إمارة الشارقة ميداناً مفتوحاً لتبادل التجارب والرؤى، حيث تتلاقى فيه العقول وتتشارك الخبرات، هذا الانفتاح، نشأ عنه بلا شك نموذج ثقافي متقدم يعيد الاعتبار لدور الحوار في صياغة الوعي العام، ويجعل من المدينة منارة عربية للفكر الحر والإبداع المتجدد، ومركزاً يعزز حضور الكلمة كقوة ناعمة للتأثير والتغيير.