يسرا عادل

في عام 2024، حين وجّه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير رسالة إلى نظيره الجزائري طالباً العفو عن الكاتب الفرنسي بوعلام صنصال لـ«دواع إنسانية»، بدا الأمر امتداداً لذلك النمط الهادئ من المبادرات التي تنسب عادة إلى الرؤساء حين يتدخلون في مصائر أشخاص بعينهم. تدخل يكسوه الطابع الأخلاقي، وتغلب عليه لغة الثقافة والإنصاف، وتقابل مثل هذه الرسائل عادة بالاحترام حتى لو لم تُلبَّ، لأنها تظل في إطارها الطبيعي: رئيس يبدي تعاطفاً مع كاتب، أو مفكر، أو مريض..
لكنّ العالم لم يعد طبيعياً كما كان. وعلى طاولة السياسة الدولية التي تسوّد أوراقها الصراعات، وتحدد نبرة خطابها التحالفات، ظهرت رسالة لا تشبه ما اعتدناه، بل تهز قواعد اللعبة نفسها. فقد وصلت إلى مكتب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ رسالة وصفت في الإعلام العبري بأنها «غير مسبوقة»؛ رسالة من الرئيس الأمريكي يطلب فيها العفو عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المتهم في سلسلة قضايا فساد لا تزال مفتوحة حتى هذا اليوم.
«أدعوكم إلى العفو الكامل عن بنيامين نتنياهو. لا يمكن تشتيت انتباهه من دون داع. أعتقد أن القضية المرفوعة ضد بيبي، الذي ناضل إلى جانبي طويلاً، سياسية وغير مبررة»،
بهذه الكلمات حاول ترامب اختزال برميل كامل من البارود، فالقضية التي يقول، إنها «غير مبررة» هي شبكة معقدة من الاتهامات التي خلخلت ثقة الإسرائيليين بمؤسساتهم، فملفات «بيبي» ليست ملفاً واحداً يمكن طيّه بقرار رئاسي أو بتغريدة من وراء الأطلسي. إنها تمتدّ إلى أعوام طويلة، وتتشابك فيها المصالح مع الإعلام، والهدايا مع النفوذ، والمنابر الصحفية مع القرارات الحكومية. بدأت شراراتها حين اتهم بتلقي هدايا فاخرة هو وزوجته سارا من رجال أعمال مقربين، ثم تطورت القصة إلى أحاديث خلف الأبواب المغلقة مع ناشري الصحف، وتفاهمات سرية حول تغطية تمجّد الرجل وتسيء لخصومـــــــه، ووعـــود باستخدام سلطة الدولة لإعادة رسم خريطة الإعلام الإسرائيلي لصالحه.
لكن ذروة الاتهامات، وأكثرها قسوة، كانت تلك المتعلقة بشركة الاتصالات الأكبر في البلاد، حيث ارتبط اسم نتنياهو بصفقة اعتبرها القانونيون «تلاعباً صريحاً» بمقدرات الدولة. قدمت تسهيلات بمئات ملايين الدولارات مقابل سيل من التغطيات الإعلامية الودية. بدا الأمر كأنه تحالف غير معلن بين السلطة السياسية والمال والإعلام، تحالف لو ثبتت أركانه لكان قادراً على تغيير ملامح إسرائيل من دولة ذات مؤسسات رقابية شديدة إلى ساحة يملك فيها رجل واحد مفاتيح النفوذ كلها.
ومع توالي هذه القضايا، وجد الشارع الإسرائيلي نفسه منقسماً على حافة صدع عميق. فهناك من يرى في الاتهامات محاولة انقلاب قضائي دبرت لإسقاط زعيم قوي، يملك خبرة واسعة ودوراً محورياً في مسار الصراع الإقليمي. وهناك من يعتبرها دليلاً دامغاً على فساد سياسي بات يهدد فكرة «إسرائيل الديمقراطية» نفسها.
بهذا، تدخل الرسالة الأمريكية في قلب معركة لا تخص نتنياهو وحده، بل تخص هوية إسرائيل نفسها: هل هي دولة يستطيع فيها الحليف الأقوى أن يطلب طي الملفات القضائية؟ هل هي دولة تحكمها المؤسسات أم العلاقات؟ وهل سيقبل المجتمع الإسرائيلي - المنهك من الحرب والانقسام - بأن يتحول القضاء إلى ورقة في يد السياسة الخارجية؟
وجاء الرد الفيصل من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، بذكاء رجل يعرف أن كلمته اليوم توزن بميزانين: ميزان الداخل المتوتر، وميزان الحليف الذي لا يمكن إغضابه. ففي تصريح مقتضب بدا أقرب إلى رسائل التوازن منه إلى البيانات الرسمية، قال هرتسوغ: إن «من يرغب في الحصول على عفو عليه أن يتقدم وفقاً للقواعد»، مذكّراً واشنطن - من دون أن يسميها - بأن إسرائيل دولة مؤسسات لا تدار بالرسائل الودية، وأن الطريق إلى طيّ الملفات لا يمر عبر البريد الرئاسي وإنما عبر القانون وحده.
لكن الرجل لم يترك للجملة حدتها كاملة؛ فقد رمم أطرافها بإطراء محسوب، حين أكد «احترامه الكبير للرئيس ترامب وتقديره لدعمه غير المشروط لإسرائيل ومساهمته في أمنها وتحرير المحتجزين». بدا وكأنه يضع طبقة طلاء دبلوماسية فوق جدار صلب من الرفض القانوني، وتلويحه بالدعم غير المشروط ما هو إلا رسالة للحليف بعدم الإملاء على القضاء أو النظام الداخلي.
هذه الرسالة ليست مجرد ورقة دبلوماسية، بل هي علامة على عالم يعيد ترتيب أولوياته. عالم لم يعد فيه التدخل السياسي مغلفاً بالإنسانية، ولا العفو يحمل معنى التسامح فقط، بل صار ساحة لقياس النفوذ.
وبين رئيس يُطالب بالعفو، ورئيس يتمسك بالقانون، يقف العالم متسائلاً: هل أصبح العفو نفسه أداة جيوسياسية؟
في النهاية، ما يحدث اليوم ليس مجرد سابقة. إنه لحظة اختبار: اختبار لحدود التحالف، لهيبة القضاء، ولقدرة الدول على قول «لا» حين يكون قولها هو ما يحدد شكل النظام الدولي في السنوات المقبلة.
[email protected]