د.باسمة يونس

هل ما زلنا بحاجة إلى معلمين للموهوبين في عصر الذكاء الاصطناعي، أم بات بالإمكان الاتكال على مهارات الموهوب الفطرية ليشقّ طريقه منفرداً نحو الإبداع والتميّز؟
سؤال يبدو للوهلة الأولى سهل الإجابة، خاصة مع وفرة التطبيقات التعليمية، والمنصات التفاعلية، وقدرة الخوارزميات على تصميم تجارب تعلم شخصية للطالب، لكنّ التأمل العميق، وتتبّع التجارب الدولية الرائدة يكشف أن هذا السؤال يُعيد تعريف المعلم ولا يُنهي الحاجة إليه.
يؤكِّد المتخصصون أن الموهبة على عظمتها لا تكفي وحدها، إذ تشير الأدبيات التربوية إلى أن كثيرا من الموهوبين يعانون الملل الدراسي وضعف الدافعية والعزلة والتشتت أو سوء التكيف الاجتماعي، وهو ما يحوّل الموهبة من نعمة إلى عبء إن لم تجد رعاية تربوية مناسبة.
وفي أكثر من دراسة حديثة تمت الإشارة إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه الموهوبين هو غياب المعلم المؤهل والقادر على استيعاب خصائصهم المعرفية والنفسية، ومرافقتهم في مسارهم، فالموهوب يحتاج إلى بيئة تُثريه، لا إلى مساحة تُترك له فيها حرية عشوائية يُظنّ أنها استقلال.
وقد توفر التكنولوجيا للموهوب أدوات تعلّم مذهلة وتحاكي قدراته من خلال التعليم التكيفي لكنها تظل عاجزة عن تقديم الإدراك الإنساني والذكاء العاطفي والدعم التربوي العميق الذي يُحدث الفرق الحقيقي في حياة المتعلم خصوصاً ونحن نعلم أن الذكاء الاصطناعي أداة بلا قلب وأن الآلة لا تُربّي، ولا تُلهم، ولا تُدرك المعنى الشعوري وراء الصمت الطويل أو الحماسة المفاجئة.
بينما المعلم، وخصوصاً المتخصص في رعاية الموهوبين، يمتلك تلك البصيرة التي تُحول كل لحظة تعلم إلى مساحة للارتقاء وقد خُصّصت برامج إعداد طويلة ومكثفة لمعلم الموهوبين تمنحه مهارات تحليل السمات الفردية للطلبة.
في الواقع، لا يمكن للأدوات الرقمية أن تحلّ محل المعلم في ربط الموهبة بالحياة، ولا في منح الطالب صورة عن مستقبله الواقعي، بما فيه من مشاعر وتحديات، كما أن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك ثقافة المجتمع المحلي، ولا سياق الطالب الشخصي أو الأسري.
من هنا، فإن التخلي عن المعلمين، أو تقليص دورهم، سيكون بمثابة ترك الموهبة تتأرجح وحدها بين العبقرية والتهميش ومستقبل التعليم يكمن في دمج التقنية بالخبرة الإنسانية، لا الاستغناء عن أحدهما.
نحن اليوم لا نحتاج إلى إلغاء دور المعلم، بل إلى إعادة تعريفه وتأهيله، حتى يكون قادراً على مرافقة الموهوب في عصر تتعدد فيه الخيارات وتزداد فيه التحديات.

[email protected]