أحمد مصطفى

نشرت مجلة «الايكونوميست» البريطانية الرصينة مع عددها الأخير ملحقاً يضم ملفات عن أهم ما يتعين متابعته من أحداث العام القادم. ومع تنوع موضوعات الملف من السياسة إلى الاقتصاد، ومن بينهما الرياضة والصحة، فإن القاسم المشترك بين كل الأحداث أنها في أغلبها لها علاقة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسياسات إدارته.
بالطبع تتصدر التجارة العالمية أهم تلك الملفات، وإن كان اضطراب التجارة بدأ مع فترة رئاسة ترامب الأولى في النصف الثاني من العقد الماضي إلا أنها تصاعدت بشدة مع فترة رئاسته الثانية الحالية التي بدأها مطلع هذا العام بفرض رسوم تعريفة جمركية على كل شركاء أمريكا التجاريين.
تتوقع تحليلات المجلة أن تستمر الاضطرابات في التجارة العالمية العام المقبل مع استمرار ترامب في سياساته التي لا تعتمد على أي منطق تقليدي. خاصة أن الإدارة الأمريكية كلما واجهت تحدياً داخلياً يتعلق بكلفة المعيشة للمواطنين تلجأ إلى عمل خارجي صادم. وحسب شخصية ترامب، فلن يتخلى عن استخدام التعريفة الجمركية والعقوبات الاقتصادية كسلاح يهدد به دول العالم، حتى الصديقة منها، ليحقق ولو «إنجازاً وهمياً».
من المتوقع أن يبدأ العالم في غضون أشهر «هضم» سياسات الإدارة الأمريكية والتكيف معها. حتى إن لم تتحسن أوضاع التجارة العالمية، على عكس تقديرات «الايكونوميست» فإنها لن تتدهور أكثر. فأغلب الدول المعنية بالحرب التجارية بدأت بالفعل في تلمس سبل الالتفاف عليها وتطوير شبكات سلاسل إمداد وتوريد وطرق تجارة بعيدة عن التأثير الأمريكي. ثم إن سياسة ترامب تضعف العملة الأمريكية بقوة ما يسهل على بقية دول العالم التخلي عن الدولار في تجارتها بما يجنبها القدر الأكبر من تأثير سياسات ترامب.
ربما يكون الخطر الأكبر هو احتمالات انهيار الأسواق بعد مسار صعود غير مسبوق على مدى أعوام. ومع أنه لا يبدو ذلك مرتبطاً بشكل مباشر بسياسات ترامب، إلا أن الفقاعة التي يمكن أن تنفجر وتهوي بالسوق ستأتي من شركات التكنولوجيا وخاصة شركات الذكاء الاصطناعي. وهذا قطاع يتحمس له ترامب من يومه الأول في السلطة هذه المرة، ومعه قطاع العملات المشفرة الذي دخلته عائلته وتحقق منه مكاسب بالمليارات.
ربما لا تنفجر الفقاعة بشكل درامي وتؤدي إلى انهيار كبير في أسواق أمريكا والعالم، وإنما تشهد تصحيحاً كبيراً. لكن مثل هذا التصحيح الكبير في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمحو أكثر من 23 تريليون دولار من الأسواق الأمريكية وحدها حسب عدة دراسات.
ومع أن تلك التريليونات في أغلبها هي مجرد «مغالاة في قيمة الأصول»، إلا أن تبخرها سيكون له أثر سلبي واضح ليس فقط في الأسواق، بل في الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
سواء صمد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة أم انهار لأي سبب، فقد حقق الرئيس ترامب لحظة إنجاز بأنه تمكن من وقف الحرب على القطاع. إنما في مناطق أخرى قد لا يتمكن من ذلك، تحديداً في أوكرانيا مع اختلاف توجهاته عن مواقف حلفاء أمريكا الأوروبيين. وهناك بالطبع بؤر محتملة لتصاعد السخونة تستحق المتابعة اللصيقة، من تايوان إلى فنزويلا وكلها أيضاً ليست بعيدة عن ترامب وسياساته.
من المثير أيضاً أن كأس العالم لكرة القدم العام القادم تستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك معاً. وقد تمكن ترامب من جعل العلاقات بين الدول الثلاث متوترة بالقدر الذي قد يجعل كثيراً من مشجعي كرة القدم يحجمون عن حضور مباريات كأس العالم، وبالتالي سيكون كأس العالم هذا مصبوغاً بالرئيس ترامب وسياساته بشكل كبير، أكثر منه بمسابقة ترفيهية بعيداً عن السياسة.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أننا جميعاً «نعيش في عالم دونالد ترامب»، بغض النظر عن موقفنا منه أو من سياساته. وبالتالي، فكل ما يفعله، أو لا يفعله، لا يؤثر في الولايات المتحدة والأمريكيين فحسب، بل على العالم أجمع. فهل بدأ العالم، أو أغلبه على الأقل، في فهم طبيعة الرئيس الأمريكي وتصرفاته بما يجعله قادراً على التكيف مع تبعات سياساته؟