جابر محمد الشعيبي*

تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كإحدى أهم ركائز الاستقرار الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط، فبينما تواجه دول عديدة ضغوطاً متزايدة من الاضطرابات الإقليمية وتقلبات أسعار الطاقة، تمكّنت الإمارات من تقديم نموذج اقتصادي متماسك يجمع بين المرونة والتنوع والقدرة على امتصاص الصدمات، وفي الوقت ذاته لعبت دوراً محورياً في دعم الاقتصاد الإقليمي وتثبيت أسس النمو في لحظة غير مسبوقة من عدم اليقين.
لقد رسّخت الإمارات مكانتها عبر مقاربتها المتوازنة للطاقة، فمن جهة، واصلت تطوير قطاع النفط والغاز بكفاءة عالية، مستثمرة في أحدث تقنيات الاستخراج والمعالجة وزيادة القيمة المضافة، ومن جهة أخرى، مضت بجرأة في التحول نحو الطاقة النظيفة عبر مشاريع الهيدروجين الأخضر والأزرق، وتوسعة الطاقة الشمسية والرياح، وتطوير حلول الكربون المنخفض، هذه الثنائية ليست مجرد تنويع في مصادر الإنتاج، بل هي ركيزة استراتيجية تمنح الاقتصاد الإماراتي قدرة على التكيف مع أي سيناريو عالمي محتمل، سواء تعززت أسعار النفط أو تسارعت موجة الاستغناء عنه.
وتعزز هذا الدور عبر خطوة أكثر عمقاً: التحول الصناعي. فالإمارات لم تكتفِ بأن تكون مركزاً للطاقة، بل اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى بناء قاعدة صناعية واسعة تشمل الصناعات الدوائية، والتقنيات المتقدمة، والمعدات الصناعية، وصناعة الطيران والفضاء، إلى جانب الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة. وقد أسهم برنامج «اصنع في الإمارات» في جذب مليارات الدراهم من الاستثمارات الصناعية وخلق روابط جديدة بين الشركات العالمية والمصانع الوطنية. وبفضل هذا التوسع، تحوّل الاقتصاد الإماراتي من اقتصاد أحادي المصدر إلى اقتصاد متعدد المحركات، وهو ما تثبته الأرقام الرسمية، إذ تظهر بيانات المصرف المركزي الإماراتي أن الناتج المحلي غير النفطي سجل نمواً بلغ 6.2% في عام 2024، وهو من أعلى معدلات النمو في المنطقة، بما يعكس قوة القطاعات الإنتاجية وقدرتها على حماية الاقتصاد من التقلبات العالمية.
انعكست هذه النهضة الصناعية على المنطقة بأكملها، فمع توسع الصناعات الإماراتية وتطوير سلاسل الإمداد المرتبطة بها، أصبحت الإمارات محوراً رئيسياً يربط أسواق الخليج بآسيا وأوروبا وإفريقيا، ومركزاً لتوزيع المواد الخام والمنتجات الصناعية، هذا الدور اللوجستي، الذي تدعمه موانئ عالمية مثل جبل علي وميناء خليفة والرويس، يسهم في الحفاظ على تدفق البضائع والطاقة ويمنح المنطقة قدرة أكبر على مواجهة اضطرابات التجارة العالمية.
ويمتد تأثير الإمارات ليشمل الاستثمار الإقليمي، إذ لعبت صناديقها السيادية دوراً مهماً في دعم الاقتصادات العربية والآسيوية عبر ضخ استثمارات استراتيجية في البنية التحتية، والطاقة، والتكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، وقد أسهمت هذه الاستثمارات في تعزيز الاستقرار المالي للدول الشريكة وخلق فرص اقتصادية جديدة، في وقت كانت فيه المنطقة بحاجة إلى قنوات تمويل آمنة ومستقرة.
كما حافظت الإمارات على دور محوري في استقرار أسواق الطاقة العالمية، عبر سلوك إنتاجي متوازن ضمن إطار «أوبك+» وقدرتها على تلبية احتياجات الأسواق العالمية في لحظات الأزمات، هذه المرونة عززت صورة الدولة كمصدر موثوق للطاقة وكمستقر اقتصادي في محيط يواجه الكثير من التوترات.
ولا يقل البعد الدبلوماسي أهمية عن البعد الاقتصادي، إذ تعتمد السياسة الخارجية الإماراتية على بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية، وتعزيز التعاون الإقليمي، ودعم مبادرات السلام والتنمية. هذه المقاربة الهادئة خلقت بيئة سياسية أكثر استقراراً في المنطقة، وانعكست بشكل مباشر على المناخ الاقتصادي الإقليمي، ما جعل الإمارات مركزاً رئيسياً للتفاوض والتقارب في ملفات الطاقة والتجارة والصناعة. ومن خلال قراءة مسار التحول الاقتصادي في الدولة، يتضح أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز التكامل بين قطاعي الطاقة والصناعة عبر الإسراع في تطوير الصناعات المرتبطة بالهيدروجين والطاقة النظيفة، وبناء شراكات أعمق بين الشركات الوطنية والقطاع الخاص العالمي، بما يضمن نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا الحديثة، كما يصبح من الضروري توسيع الاستثمار في المهارات الوطنية وربط التعليم الجامعي والمهني بالتحول الصناعي الشامل، بما يخلق كوادر قادرة على قيادة الصناعات الجديدة المعتمدة على الرقمنة والذكاء الاصطناعي. وفي السياق نفسه، تبرز أهمية دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وتسهيل وصولها إلى سلاسل الإمداد الصناعية.
استطاعت الإمارات عبر مزيج دقيق من السياسات الطاقية، والتحول الصناعي، والاستثمار الإقليمي، والدبلوماسية الاقتصادية أن تقدم نموذجاً يُحتذى في إدارة الاستقرار الاقتصادي في منطقة تعصف بها التحديات، ومع تزايد الاضطرابات العالمية، يبدو أن دور الإمارات سيزداد أهمية، ليس فقط في دعم أسواق الطاقة، بل في صياغة معادلة إقليمية جديدة قوامها النمو والمرونة والقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص.

* كاتب وباحث إماراتي

[email protected]