يونس السيد
بين ضغوط اليمين الإسرائيلي المتطرف والرغبة الأمريكية في الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق غزة، ثم الانتقال بالشرق الأوسط إلى واقع جديد يشق طريقه نحو السلام والاستقرار، تجد إسرائيل نفسها في وضع أكثر تعقيداً، لجهة الاستجابة لمتطلبات هذا الانتقال، أو الانسحاب من خطة ترامب برمتها وتحمّل التداعيات المترتبة على ذلك.
من حيث المبدأ، وضع قرار مجلس الأمن الأخير حول غزة، إسرائيل وجهاً لوجه، أمام مأزقها التاريخي، لجهة الإقرار بإمكانية قيام دولة فلسطينية، ووأد طموحاتها في استئناف الحرب على غزة من دون تحقيق أهدافها، وهو واقع ترفضه إسرائيل جملة وتفصيلاً. يفسر ذلك ارتفاع موجة الأصوات الرافضة لقيام دولة فلسطينية، التي وصلت عند اليمين المتطرف إلى حد إنكار وجود الشعب الفلسطيني. إلى جانب الاتهامات المتبادلة التي أعقبت فشل الضغوط الإسرائيلية في إسقاط النص المتعلق بقيام دولة فلسطينية من مشروع القرار الأمريكي قبل اعتماده في مجلس الأمن. وبالتالي اتجه الاهتمام الإسرائيلي إلى التركيز على النقاط الأمنية الواردة في قرار مجلس الأمن، و«القوة الدولية» التي تقرر نشرها في قطاع غزة، وحصر مهمتها في نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وتجريد القطاع من السلاح وإبعاد «حماس» عن إدارة الحكم، وهي أمور ليست مضمونة بالكامل، إذ تشي بعض التسريبات بإمكانية تخطي عقبة «نزع السلاح»، في المرحلة الراهنة على الأقل، على خلفية ربطه بقيام دولة فلسطينية. ومع ذلك، ثمة معضلة على الجانب الآخر، إذ إن قرار مجلس الأمن أثار انقساماً فلسطينياً، بين مرحّب به، ورافض له، ما يعقّد مهمة الوسطاء و«القوة الدولية» في حال محاولتها نزع السلاح بالقوة، وهو ما يعكس مخاوف الدول التي ستشارك في هذه القوة خشية الصدام المباشر مع الفصائل الفلسطينية.
ومع الكثير من الغموض الذي لا يزال يلف هذه المسألة، يبقى السؤال الجوهري بالنسبة لإسرائيل هو كيفية التعامل مع مسألة الدولة الفلسطينية بين رفض عقائدي وسياسي مطلق، وأصوات يمكن وصفها ب «العقلانية»، صدرت في تقرير عن مركز الأبحاث القومي في تل أبيب، تفترض أن المتغيرات الجارية الآن سواء في داخل الولايات المتحدة، أو على مستوى العالم لا تصبّ في صالح إسرائيل. وبالتالي ينبغي التفكير في استغلال فترة ولاية ترامب لتحقيق استراتيجية إسرائيلية تقوم على منح الفلسطينيين دولة بموافقة إسرائيلية وضمن شروط معينة، بلا سيادة ومنزوعة السلاح.. وفق خطة ترامب التي تتلاءم مع المصالح الإسرائيلية بعيدة المدى والتي من شأنها أن تلجم العزلة الإسرائيلية في الساحة الدولية، وتقوي ارتباطها مع دول المنطقة، وتشق الطريق نحو إنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. لكن حتى في ظل هذا التصور، فإن الطريق لن يكون سهلاً، إذ إنه مليء بحقول الألغام المتراكمة عبر العقود، بينما يعتمد تحقيق أي نتيجة إيجابية على نزع هذه الألغام.